المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كلمات لم تولد بعدُ


محمد مهاوش الظفيري
01-14-2009, 12:22 AM
حقيقة كونية مسلم بها ، وسلوك اجتماعي لا جدال فيه ، أن دوام الحال من المحال فالحياة تتقدم إلى الأمام وكل شيء في هذه المعمورة يتطور والأدب كونه كائن حي فهو يتطور بناء على ثقافات متعاطية واستعدادهم لذلك ورغبتهم الحقة والخالصة في التجديد .
هناك أجناس أدبية اختفت تماماً ولم يعد لها أي ذكر في وقتنا الحاضر وعلى رأسها الملحمة بما فيها من تركيز على الآلهة واعتماد على الخرافات والأساطير الخارجة عن حدود العقل والدوران في عالم الميتافيزيقيا وهناك أجناس أدبية ظهرت وبرزت على السطح بوضوح مثل الرواية حتى صرنا نسمع ونقرأ بين الفينة والأخرى وخصوصاً من أدبائنا العرب هذه المقولة " الرواية ديوان العرب " وهذا جاء طبعاً على حساب الشعر الفصيح الذي تراجع إلى الوراء بعد ما كان ديوان العرب ، والفضل يعود بطبيعة الحال إلى شيوع شعر " الضياع " الذي يحلو للبعض أن يسميه بـ " الحداثة " .
أنا لست ضد الحداثة كمشروع حضاري أو منهج للتطور ولكن ضدها كمعول هدم للتراث أو كأسلوب من أساليب إشاعة الفوضى وإبراز الغث على حساب الثمين .
أتذكر عندما كنت في الجامعة ، جئت بقصيدة " ضياعية " لشاعر سعودي " ضياعي " ، وعرضتها على أحد الأساتذة السعوديين في الجامعة وهو من المتحمسين للحداثة ، وكانت القصيدة معتمة ومظلمة كظلام الوضع العربي الراهن ، فطلب مني الأستاذ الجامعي إمهاله بعض الوقت وبعد ثلاثة أيام جئته ليشرح لي هذه القصيدة أو شيئاً منها ولكنه قال لي بكل ثقة بالنفس : محمد لم أفهم شيئاً منها . ومن المضحك المبكي أن هذا الشاعر برز على السطح بشكل ملفت للانتباه وبفترة وجيزة .

محمد مهاوش الظفيري
01-14-2009, 11:17 AM
أدونيس يعتبر من أكبر أساطين الحداثة في بلادنا العربية وهو من يتحمل هذه الفوضى في حركة أدبنا المعاصر . فالمثقف العربي عندما يقرأ قصيدة لأدونيس يشعر بوجود ضبابية ثقافية تحول بينه وبين المواصلة معه إلى آخر المطاف وعلى هذا الأساس فنحن إزاء شعر أدونيس أمام خيارين : الأول : أننا لا نفهم ما يكتبه أدونيس ، لأن ما يكتبه من شعر , لا كتابات نثرية , فوق مستوى عقولنا والثاني أن أدونيس " يهرف بما لا يعرف " ولا أحد من النقاد العرب يتجرأ على مصارحته بهذه الحقيقة المرة فالكل منهم يصفق له ولسان حاله يقول " مكرهاً أخاك لا بطل " .

محمد مهاوش الظفيري
01-14-2009, 04:57 PM
النفس البشرية مجبولة على حب الجمال والتعلق بكل شيء ذي قيمة فنية رفيعة , وإذا كان هذا التوجه السلوكي الممنهج مقترن بوعي يضخ فيه دماء الحياة , تكون الصورة أجمل . العلاقات الإنسانية بين الناقد والناص تقتل العمل الفني , سواء تلك المحاطة بصرخات الإستحسان وتشنجات الإعجاب , أو تلك المسيجة بعبارات التذمر

محمد مهاوش الظفيري
01-14-2009, 04:59 PM
هذا الضياع ، وهذه الفوضى جعلتني أقف في إحدى فترات حياتي موقفاً لا أحسد عليه وهو بين رفض الحداثة كخيار ثقافي وبين قبولها كمطلب حضاري ملح ولكنني وجدت أن الشعر الشعبي ، و هو أدب غير رسمي للشعوب العربية ، ولاسيما ما يعرف عندنا في الخليج بالشعر النبطي ، هو من يتحمل هذه المسؤولية بأوضح صورة وأنضج رؤية وهناك حقيقة أخرى ومرة في نفس الوقت وهي أن الشعر " الأدونيسي " ابتعد عن نبض الجماهير بينما ارتبط الشعر الشعبي ارتباطاً كلياً ومباشراً بهموم رجل الشاعر ولهذا نجد أن الشعر الشعبي اكتسح الساحة الثقافية الخليجية وبرز منه شعراء يشار إليهم بالبنان أمثال سليمان المانع وفهد عافت . وهذا الازدهار والتوهج جعل كبار القائمين على الأدب الأم وسدنة اللغة الفصحى ينظرون إلى الأدب الشعبي بعين الازدراء والخوف منه والحسد من قوة بروز أصحابه إعلامياً وثقافياً والغيرة من سيطرته على الجو الثقافي وقيادة الجماهير وكم أتمنى لو دُرس هذا الأدب في الجامعة لأنه يعكس صورة واضحة للمجتمع العربي بعيداً عن أدب الأبراج العاجية ، أتمنى لو جاء هذا اليوم لنرى فيه شعر فهد عافت أو قصائد سليمان المانع مشروع بحث تخرج لأحد طلابنا في إحدى الجامعات الخليجية أو العربية

محمد مهاوش الظفيري
01-14-2009, 05:00 PM
الشعر كائن حي ينمو ويعيش ويتمدد ، وقد يصاب بالتخمة والترهل وفي آخر المطاف يموت كأي كائن حي في هذه المعمورة .
والشعر الشعبي يمر في هذه الأيام بمرحلة الازدهار والتوهج الأمر الذي جعل أساطين الفصحى يصابون بداء الغيرة ومرض الحسد من هذا الانتشار المتصاعد والمضطرد , لكن هذا الشعر يخلو من عملية النقد البناء ويفتقد الناقد الحاذق المتمرس الذي يقرأ النص قراءة جيدة ويهضمه هضماً ثقافياً واعياً ويتجاوز النص إلى مرحلة ما وراء النص , بعيداً عن الشاعر ومكانته الإجتماعية ومركزه أو محاولة التلصص عليه لمعرفة رصيده في البنك قبل الشروع في الكتابة عنه ، إلا أن النقاد الشعبيين ينطلقون من غريزة الحب أو الكره أو الجوع في كتابة أي مشروع نقدي ولهذا أصبحوا عبارة عن مجموعة من المرتزقة الذين يسعون إلى الثراء أو البروز من خلال ما يكتبون عن هذا أو ذاك ، فتجد أن النقد – عندهم – محاولة للتهريج الصحفي أو التطبيل الإعلامي ولا يستغرب أن يبعث " الناقد " بدراسته النقدية " إلى الشاعر المعنى بالدراسة " لأخذ رأيه بها أو إبداء بعض الملاحظات عليها ، أو إضفاء بعض النصائح التي تكسبها صفة الشرعية ، ورشها بالبهارات الصحفية من حذف أو زيادة أو خروج " الناقد " من منزل " المنقود " بعلاقة حميمة أو سيارة جديدة .
وأنا حقيقة لا أستغرب هذه الفوضى الأدبية في الساحة الشعبية لأن أكثر الجمهور جمهور سمعي ليست لديه الرغبة في القراءة الحقة أو الإطلاع المتمرس , فتجد المجلات الشعبية التي تهتم بالشعر مكدسة على أرفف المحلات , بينما تنفذ صحف الرياضة والفن الهابط فور نزولها الأسواق . وكذلك الشاعر الشعبي ليست لديه الرغبة أو الاستعداد لتقبل النقد خصوصاً إذا اظهر عيوبه أو نواقضه كشاعر لا كإنسان ، ولهذا تعتبر عملية التأثر بالآخرين من أكبر الجرائم التي توجه إلى الشاعر الشعبي ، فيثور هذا لكرامته ويزبد ويرعد , وكأن الساعة قد قامت فينفي عن نفسه هذه التهمة , ولا يعلم هذا الشاعر أن الذي لا يتأثر لا يستطيع التأثير , ومادام الشاعر يتأثر بإبداعات غيره من قدامى ومحدثين ، فهو إنسان واعٍ لديه القدرة على هضم تجارب الآخرين والخروج عليها وتجاوزها فيما بعد .
يقول ديكارت : أنا أفكر ، إذن أنا موجود , فالإنسان الذي لديه القدرة على التفكير هو أكثر الأحياء إحساساً بما حوله , والشاعر الذي يتأثر إنسان يفكر ومادام يفكر فهو شخص طبيعي متواصل مع العالم الخارجي ، إيليا أبو ماضي كان متأثراً تأثراً كبيراً بالشاعر أبي العلاء المعري ولكن مع تعاقب الأيام وازدياد نضج التجربة الشعرية لدى الشاعر إيليا أبو ماضي , هضم تجربة المعري وتجاوزها فصار له أسلوبه الخاص ونهجه المتميز حتى أصبح من أهم دعائم الأدب العربي الحديث والمهجري على وجه الخصوص .
قد يصاب أحد بدهشة من قراءة هذه السطور ويتساءل : لِمِ كتبت هذه الأسطر ؟! ولماذا جاء هذا المقال ؟! ويكون الجواب على جناح السرعة , هو ذلك الحوار الذي أجرته مجلة الغدير في عددها الصادر في شهر أكتوبر 1997 مع الشاعر المتميز والكاتب المتألق فهد دوحان , الذي شعر بنوع من الإهانة عندما سمع أنه متأثر بزيد أو عبيد من الشعراء , فصال وجال في الذود عن نفسه متحدياً الصحفي الذي أجرى معه اللقاء على إثبات هذا الإتهام هو أو غيره بالدليل القاطع متناسياً - أو انه لا يعلم – أن البحتري وهو من هو بين الشعراء كان صورة مصغرة لأبي تمام وبدر شاكر السياب وهو في أوج مجده الشعري كان متأثراً بالشاعر الإنجليزي – الأمريكي تى – اس – اليوت ، والدكتورة سعاد الصباح طالبة تخرجت من جامعة نزار قباني .
آمل من كل قلبي , ألا يثور الشاعر فهد دوحان , عندما يقرأ هذه السطور , فالشاعر الذي لا يستطيع إثارة الطرف الآخر – سواء سلباً أو ايجابياً – غير جدير بالاهتمام ولا يستحق البقاء في حركة الشعر ومجال الثقافة .
وفي آخر المطاف أود توجيه شكري وتقديري العظيمين لفهد دوحان على ما قدمه من خدمات متميزة في إثراء الأدب الشعبي من خلال ما خطه ببراعة نثراً وشعراً

محمد مهاوش الظفيري
01-14-2009, 05:02 PM
الشعر نابع من الشعور . حقيقة يعرفها أبسط البسطاء ولكن لحظة كتابة الشعر ظاهرة يلفها الغموض .
هل هي من صنع البشر ؟!.
أو أن هناك عوامل خارجية تدفع الشاعر إلى كتابة القصيدة ؟؟!!.
السؤال محير ، والجواب غامض ، والحديث في هذا الموضوع ممتع ولذيذ .

لا يوجد مصطلح ثابت تتفق عليه جميع الأطراف يعرف لحظة الكتابة الشعرية ، لأن من علامات المصطلح أن يكون مقبولاً ـ ولو نظرياً ـ لدى العاملين في هذا الجانب أو ذاك . وعلى هذا الأساس كان لكل أمة رأي في تفسير أو تعريف لحظة الكتابة الشعرية .
ولهذا نحن لا نعجب من الفرزدق عندما يكون خلع ضرس من أضراسه أهون عليه من قول بيت من الشعر في بعض الأوقات ، لأن الشاعر الحقيقي لا يأتيه الشعر متى أراد أو شاء . كما أن الحالة التي يكون عليها الشاعر تختلف عن حالته الطبيعية وقصة الشاعر جرير مع أحد خصومه وهو الراعي النميري مشهورة جداً ، عندما بات ليلته عارياً هائجاً ثائراً يروح ويجئ حتى ظنت عجوز في الدار أن الرجل مجنون ، وكذلك أبو تمام إذا أراد كتابة قصيدة يجلس في صهريج مغسول بالماء ، وأبو نواس لا يقول الشعر إلا إذا انغمس في الشراب وصار في منزلة بين السكران والصاحي . وكم كان الشاعر طلال حمزة رائعاً عندما التقط لنا هذا المشهد ولفت أنظارنا إلى هذه الصورة .



ولو يسألون الناس وش أعجبك فيهقولي لهـم شفتـه بحالـة كتابـة


وفي هذه اللحظة ، هي حالة التجلي العظمى مع الشعر , والتي يصعب أن يعيشها أو يمر بها أي شاعر .
والإنسان منذ القدم وقف حائراً ومذهولاً أمام تفسير هذه الظاهرة ، إذ اعترها الغربيون لحظة من لحظات الجنون أو النبوة فالشاعر إما أن يكون مجنوناً أو نبياً , وفي بعض الأحيان يكون مجنوناً ونبياً في نفس الوقت . وفي هذا السياق اعتبر سقراط خيال الشاعر نوعاً من أنواع الجنون العلوي . والظاهرة نفسها جعلت العقل العربي منذ العصر الجاهلي يقف حائراً أمام لحظة الكتابة الشعرية ، مما دفعهم إلى الاعتقاد بأن الشعر شيطانان ، فمن لازمه " الهوبر " حسن شعره وجاد ، ومن لازمه " الهوجل " ساء شعره وفسد . ولعل هذه الفكرة – وهذا رأيي – مأخوذة من الفلسفة اليونانية حيث ذكر إفلاطون أن كل شاعر متبوع بأرواح خيرة أو أرواح شريرة , والفكر اليونلني الوثني المرتبط بالآلهة , التي تعيش في أعالي الجبال , انعكس على العرب , وهم أمة صحراوية , فإن عوالمها الخفية وهم الشياطين , يعيشون في إحدى الوديان , وهو وادي عبقر , المعروف بالأدب العربي .
وقد اهتم أبو زيد القرشي صاحب كتاب " جمهرة أشعار العرب " بهذا الجانب الغريب , حينما أورد حكايات متنوعة لـ " شياطين الشعراء " يأبى العقل السليم تصديقها ، كما أن الشاعر الفرزدق كان يتفاخر بأنه كان صديقاً لابليس وابنه ، ولا ننسى في هذا الجانب ذكر وادي " عبقر " المعروف في الأدب العربي بأنه وادي الجن .
وبعد أن قمنا بهذه الجولة الميدانية أرى أن الشاعر الحقيقي ما هو إلا " أنثى " غير أنثى الإنسان ، أنثى من نوع آخر وطراز آخر ، والشاعر المبدعة أنثى فوق العادة . ولحظة الكتابة الشعرية نوع من أنواع " المخاض " فالشاعر المبدع يشعر بهذا " المخاض الشعري " قبل كتابة القصيدة بلحظات أو بيوم أو أيام . وفي هذه الحالة يلتقي الشاعر بالأنثى الحقيقية عند نقطة المخاض ، والقصيدة عندما تكون في كيان الشاعر تشبه الجنين الذي في رحم أمه ، ولا تعرف الأنثى الحقيقة " الحامل " الراحة أثناء المخاض إلا إذا خرج الجنين منها ، وكذلك الشاعر المبدع لا يشعر بالراحة إلا عند الإنتهاء من كتابة القصيدة وعندها يشعر بأنه ولد من جديد .

محمد مهاوش الظفيري
01-14-2009, 05:03 PM
الكتابة هاجس ومدار تفكير المثقف ,وأكبر الهموم التي يواجهها الكاتب المرتبط بعمل معين لإنجازه , تكمن في البحث عن الفكرة وصيدها من بين شتات الأفكار المتطايرة ، ومن ثم محاولة ترويض هذه الفكرة للسيطرة عليها , وبعدها يأتي دور البحث عن المقدمة وهذه " أم المصايب " ... فمتى يتدفق عليك الحديث ؟! وكيف ؟! وأي البدايات ستختار ؟! وماذا سيعجبك منها ؟!
عندما يهبط عليك الإلهام من عالمه السحري العجيب ، تدخل متاهة الترتيب ووضع الأولويات ، وبعدها تقف أمامك أكبر المعضلات وأشدهن إيلاماً وحسرة في النفس ... ألا وهي كيفية الوصول إلى القارئ وإقناعه بما تقول ... وفي أضعف الأحوال قراءة هذا الهذيان الكتابي الذي نسميه مقالة

محمد مهاوش الظفيري
01-14-2009, 05:06 PM
الشعـــــر





أكثر الدراسات تقول بأن الشعر العربي نشأ واكتمل بمائة وخمسين سنة قبل مجيء الإسلام . وقد اختلفت أهواء العرب في تحديد أول من أجاد الشعر وتصرف به , متغاضين عن صاحب البيت أو البيتين أو الثلاثة أبيات , باعتباره ليس شاعراً , إذ أدعت كل قبيلة عربية بأن شاعرها هو أول من قال الشعر . فقالت اليمانية إنه . امرؤ القيس , وقالت تغلب بأنه المهلهل , وقالت بنو أسد هو عبيد بن الأبرص. وهذا الخلط في الادعاءات يؤكد على جهل العرب بمن بدأ الشعر, وأول من نظم القصائد الطوال .
الحديث في هذه المسألة أو الإسهاب بها لا يفيدنا في شيء , فعملية بدء الشعر أو أول من قال الشعر , أشبه ما تكون بمحاولة التعرف على أول من نطق العربية , لأن الحديث في هذا الشأن لا طائل منه, غير أن إمكانية التعرف على سبب نشوء الشعر , عائد إلى أسباب قد تبدو منطقية أو قريبة من المنطق . فمن المعلوم بداهة أن الكلام المنثور سابق الكلام المنظوم , ولما تشابكت مصالح الناس وتقاطعت مصالحهم في بعض الفترات التاريخية , احتاج العرب إلى تدوين أيامهم وتسجيل مآثرهم , والتغني بمكارم الأخلاق لديهم , لحث الآخرين على الجود والكرم , وذكر أوطانهم التي هجرها ووصف الأطلال التي تركوها منذ أيام الشباب , ومن أجل تسجيل أسماء فرسانهم , لجأ العرب إلى قول الشعر , وكانت أول أوزان الشعر جاءت عن طريق التناغم الإيقاعي مع سير حركة الإبل وتتابعها في المسير , إذا نشأ أول ما نشأ كما يقال شعر الحداء , ولما تطورت أمور العرب , ونشبت الحرب فيما بينهم , أخذوا بعض الأوزان من إيقاع صوت الحرب وقرقعة السيوف , كما تقول المصادر في هذا الشأن , ومع تداخل مصالح الناس , أخذ الشعر العربي يتطور ويتطور ويتغلغل في الحياة والطبيعة . فنشأ لدينا ثلاثة أقسام كما يقول الرافعي كالأمور الغيبية والتغلغل في حياة الناس و الامتزاج بمظاهر الطبيعة والمحسوسات من حوله , وكون العرب الجاهليين كانوا عباد أصنام لم تظهر قوى الغيب الخفي في شعرهم بشكل جلي وواضح ، وذلك باعتبار أنهم وثنيون لهذا كان أغلب شعرهم شعر مادي خالٍ من الجوانب الروحية . وعندما جاء الإسلام بقيمه الروحية السامية وتعاليمه الجديدة ، اكتشف العرب أموراً لم يكونوا يعرفونها كالملائكة والجنة والنار ويوم القيامة , والأمور التي يمكن إطلاق عليها هذا المفهوم الفلسفي المجرد , وهو علم الميتافيزيقيا – أي علم أمور ما وراء الطبيعة – وهذا منثور في قصائد شعراء الزهد والتصرف , والقصائد التي يغلب عليها الروح الدينية .

محمد مهاوش الظفيري
01-14-2009, 05:08 PM
إلى علي المسعودي








بى شغف هذه الأيام يحملني إلى قراءة الأعداد القديمة من المجلات الشعبية ... وبينما كنت كذلك وقعت يدي على عدد سابق لمجلة المختلف
بينما كنت أقلب صفحات هذه المجلة وقع ناظري على عنوان يحمل اسم الشاعر الأمير عبد الرحمن بن مساعد ، ومادمت هذه الأيام مهتماً بهذا الاسم ، ولدي دراسة تعلق بدرجة الوعي الثقافي والمعرفي والسياسي عند هذا الشاعر ، دفعني الفضول إلى قراءة الكلام المكتوب حول هذا الشاعر الأمير ، وكان بقلم الأستاذ الفاضل علي المسعودي .
أصبت بالغثيان وأنا أقرأ كلام المسعودي حول أمسية الشاعر . لا أريد أن أطيل ... وسأترك المسعودي أن يتكلم . يقول الأستاذ المسعودي : " يقال أن أبو تمام كان يصفق إذ يلقي عبد الرحمن بن مساعد قصيدته ، وكان أبو الطيب المتنبي يندمج في الرؤيا والرؤى ، بينما يفحص أبو فراس الحمداني صوت القصائد ، وكان طرفة بن العبد يشهر سيفه تفاعلاً إذ تشرع كلمات الشاعر جرأتها " إننا ليس لدينا أي نقاش أو جدال حول شاعرية الشاعر وتميزه الفريد ، فهو الفريد الذي كسر الحواجز النفسية والبيروقراطية بين الأمير والشارع ، وتعامل مع الجمهور كشاعر لا كأمير فهو إما أن يهبط إلى الشارع أو يرفع الشارع إليه جاعلاً من هموم الناس قضاياه التي تدور حولها غالبية قصائده ، ويكفيه فخراً أن شعره المتميز يشهد له لا الأقلام المرتزقة . والمضحك المبكي في نفس الوقت أن يخرج هذا الكلام من رجل محسوب على الصحافة ، فعبد الرحمن بن مساعد ليس بحاجة إلى كل هذا المديح حتى يمرر إلى الجمهور كما قفل الصحافة ، فمشواره الشعري وأسلوبه المتميز وخط سيره الفريد جعله يختلف كل الاختلاف عن كل شاعر أمير منذ عصر الشاعر والأمير والخليفة العباسي المعتز إلى يومنا هذا ، وبإمكان القارئ الكريم أن يلمس ذلك في " عجب عجاب " و " مرخاي " وكثير من قصائده الأخرى – ولدي كتابة حول هذا الشاعر نشرها الخوان في جريدتي الأنباء الكويتية والرياضية السعودية .
لم يقف الأستاذ على المسعودي عند هذا الحد ، إذ يقول في خاتمة كلامه " يقال أن المتنبي غادر مع الغادرين وقد تخلى عن بيته الشهير ليصبح حقاً مشاعاً لعبد الرحمن بن مساعد " .
وشاعر بحجم عبد الرحمن بن مساعد ليس بحاجة إلى " كرم " أو " هبات " الآخرين إذ تعطيه ما ليس به حق ، لأن لكل شاعر شخصيته الفردية المتميزة عن الآخرين ، كما أشار إلى ذلك المستشرق شارل جيمس ليال . فعبد الرحمن بن مساعد ليس بحاجة إلى مثل هذه الهرطقة الإعلامية ، فهو – وكل المبدعين – بحاجة إلى الوقوف عند ما يقولون ، ومحاولة فهمه للوصول إلى ما وراء ذلك .
يا أستاذي الكريم
الشاعر الأمير عبد الرحمن بن مساعد ، وكل إنسان في هذا العالم يفرح للمديح ، ويطرب لكلمات الإطراء لأنها تلامس شغاف القلوب وتدغدغ المشاعر ، لكن ليس بهذه الطريقة التي تصيب القراء بالغثيان ، وتشعر الجمهور بأن هذا الشخص أو ذاك مفروض عليه فرضاً خارجاً عن حدود المعقول .
فالحمد لله أننا عرفنا عبد الرحمن بن مساعد شاعراً قبل أن نعرف علي المسعودي كاتباً ، وجرينا وراءه في بساتين الشعر ورياضه قبل أن يطاردنا علي المسعودي بجحيم الصحافة .

وفي الختام
شيء جميل أن يكون الإنسان كاتباً مرموقاً ، ولكن الأجمل أن يكون متزناً ، فالاتزان مطلب ضروري لكل إنسان ، ولاسيما رجل بحجم الأستاذ علي المسعودي .

محمد مهاوش الظفيري
01-14-2009, 05:10 PM
إلى علي المسعودي








بى شغف هذه الأيام يحملني إلى قراءة الأعداد القديمة من المجلات الشعبية ... وبينما كنت كذلك وقعت يدي على عدد سابق لمجلة المختلف
بينما كنت أقلب صفحات هذه المجلة وقع ناظري على عنوان يحمل اسم الشاعر الأمير عبد الرحمن بن مساعد ، ومادمت هذه الأيام مهتماً بهذا الاسم ، ولدي دراسة تعلق بدرجة الوعي الثقافي والمعرفي والسياسي عند هذا الشاعر ، دفعني الفضول إلى قراءة الكلام المكتوب حول هذا الشاعر الأمير ، وكان بقلم الأستاذ الفاضل علي المسعودي .
أصبت بالغثيان وأنا أقرأ كلام المسعودي حول أمسية الشاعر . لا أريد أن أطيل ... وسأترك المسعودي أن يتكلم . يقول الأستاذ المسعودي : " يقال أن أبو تمام كان يصفق إذ يلقي عبد الرحمن بن مساعد قصيدته ، وكان أبو الطيب المتنبي يندمج في الرؤيا والرؤى ، بينما يفحص أبو فراس الحمداني صوت القصائد ، وكان طرفة بن العبد يشهر سيفه تفاعلاً إذ تشرع كلمات الشاعر جرأتها " إننا ليس لدينا أي نقاش أو جدال حول شاعرية الشاعر وتميزه الفريد ، فهو الفريد الذي كسر الحواجز النفسية والبيروقراطية بين الأمير والشارع ، وتعامل مع الجمهور كشاعر لا كأمير فهو إما أن يهبط إلى الشارع أو يرفع الشارع إليه جاعلاً من هموم الناس قضاياه التي تدور حولها غالبية قصائده ، ويكفيه فخراً أن شعره المتميز يشهد له لا الأقلام المرتزقة . والمضحك المبكي في نفس الوقت أن يخرج هذا الكلام من رجل محسوب على الصحافة ، فعبد الرحمن بن مساعد ليس بحاجة إلى كل هذا المديح حتى يمرر إلى الجمهور كما قفل الصحافة ، فمشواره الشعري وأسلوبه المتميز وخط سيره الفريد جعله يختلف كل الاختلاف عن كل شاعر أمير منذ عصر الشاعر والأمير والخليفة العباسي المعتز إلى يومنا هذا ، وبإمكان القارئ الكريم أن يلمس ذلك في " عجب عجاب " و " مرخاي " وكثير من قصائده الأخرى – ولدي كتابة حول هذا الشاعر نشرها الخوان في جريدتي الأنباء الكويتية والرياضية السعودية .
لم يقف الأستاذ على المسعودي عند هذا الحد ، إذ يقول في خاتمة كلامه " يقال أن المتنبي غادر مع الغادرين وقد تخلى عن بيته الشهير ليصبح حقاً مشاعاً لعبد الرحمن بن مساعد " .
وشاعر بحجم عبد الرحمن بن مساعد ليس بحاجة إلى " كرم " أو " هبات " الآخرين إذ تعطيه ما ليس به حق ، لأن لكل شاعر شخصيته الفردية المتميزة عن الآخرين ، كما أشار إلى ذلك المستشرق شارل جيمس ليال . فعبد الرحمن بن مساعد ليس بحاجة إلى مثل هذه الهرطقة الإعلامية ، فهو – وكل المبدعين – بحاجة إلى الوقوف عند ما يقولون ، ومحاولة فهمه للوصول إلى ما وراء ذلك .
يا أستاذي الكريم
الشاعر الأمير عبد الرحمن بن مساعد ، وكل إنسان في هذا العالم يفرح للمديح ، ويطرب لكلمات الإطراء لأنها تلامس شغاف القلوب وتدغدغ المشاعر ، لكن ليس بهذه الطريقة التي تصيب القراء بالغثيان ، وتشعر الجمهور بأن هذا الشخص أو ذاك مفروض عليه فرضاً خارجاً عن حدود المعقول .
فالحمد لله أننا عرفنا عبد الرحمن بن مساعد شاعراً قبل أن نعرف علي المسعودي كاتباً ، وجرينا وراءه في بساتين الشعر ورياضه قبل أن يطاردنا علي المسعودي بجحيم الصحافة .

وفي الختام
شيء جميل أن يكون الإنسان كاتباً مرموقاً ، ولكن الأجمل أن يكون متزناً ، فالاتزان مطلب ضروري لكل إنسان ، ولاسيما رجل بحجم الأستاذ علي المسعودي .
















افتراء علي المسعودي







فكرتُ في بادئ ذي بدء بترك هذا الموضوع كلية وحذفه وراء ظهري ولكن أن يقوّلني الرجل ما لم أقله فهذا ما لا أرضاه ولا أسمح به . إن مسألة تجاهل الاسم فهو أمر متروك للرجل لأن أصحاب العقد النفسية يصعب التنبؤ بما يفعلون , علمًا بأنني كنتُ أصفه ب "الأستاذ" غير أنه تجاهلني بالكلية ف " كلُّ إناءٍ بالذي فيه ينضحُ " ومن حق شخصي المتواضع أن أعامل الآخرين بما يعاملونني به فهذه من أبسط الحقوق غير أن الأسس والمبادئ التي تربينا عليها لا تسمح لي بممارسة هذا السلوك لأنها تقف أمامي شامخةً كالسور الحديديِّ المنيع تصدني عن ممارسة هذا الحق .
يقول الأستاذ علي المسعودي : " ....ودعني أقول لك ما قاله هذا الكاتب فهو يقول بأن مدحي لهذا الشاعر يثير الغثيان ثم يختتم كتابته مادحًا نفس الشاعر الذي أثار مدحي أنا غثيانه " وكل من له أدنى بصيرة يدرك الفرق بين الثناء والتطبيل حيث قال الأستاذ الكريم : " وكان أبو الطيب المتنبي يندمج في الرؤى والرؤيا بينما يفحص أبو فراس الحمداني صوت القصائد وكان طرفة بن العبد سهر سيفه ... " فهذا التطبيل الإعلامي الممجوج ليس بحاجة إلى إيضاح بينما قال العبد الفقير كاتب هذه السطور غير ذلك الكلام وهو مبسوط في ردي على المسعودي أو في قراءتي المبسّطة لقصائد الرجل . ثم ينطلق الأستاذ النبيل الكريم المحترم متحدثًا على لساني " فقال عن هذا الشاعر بأنه أفضل شاعر منذ زمن ابن المعتزّ إلى هذا اليوم " وهذا تقوّل عليّ وافتراء على القراء الكرام فأنا لم أقل هذا الكلام حيث قلتُ : " فمشواره الشعري وأسلوبه المتميّز وخط سيره الفريد جعله يختلف كل الاختلاف عن كل شاعر أمير منذ عصر الشاعر والأمير والخليفة العباسي ابن المعتزّ إلى يومنا هذا " فكلامي وكلام المسعودي موضوعان بين الأقواس وكل من له ذرة من التفكير أو العقلانية يدرك افتراء الرجل . وقد قال قبل ذلك عن نفسه : " أنا قارنتُ هذا الشاعر بالمتنبي وأنت يا أخي قارنته بآلاف الشعراء ... " وليت المكان يتّسع لسرد كل ما قلتُه عن ذلك الشاعر سواءً في ردي على المسعودي أو في قراءتي المتواضعة عنه ليعرف القارئ الكريم مدى تخبّط هذا الرجل . ولكي أوضح للقارئ الكريم هذه المقارنة المزعومة التي قام بها الأستاذ علي بين الشاعر والمتنبي حيث يقول : " كان أبو الطيب يندمج في الرؤى والرؤيا " ثم قال : " يقال أن المتنبي غادر مع المغادرين وقد تخلّى عن بيته الشهير". ففي الكلام الأول منح المتنبي درجة المستمع الساذج وفي الكلام الآخر وصفه بمواطن مرتزق يبيع خزائنه الفكرية لمن يدفع أكثر . وأنا أسأل القارئ الكريم أين هذه المقارنة المزعومة ؟؟‍ وأين وجه الشبه والاختلاف بين الشاعرين ؟؟ .
إن قصة المهازل لم تقف مع الأستاذ عند هذه النقطة إذ تأزمت معه الحالة من انزلاقات فكرية وتحليلية إلى انزلاق من نوع آخر وهو انزلاق ثقافي كان من المفروض أن لا يقع به أمثاله حيث يقول عن كاتب هذه السطور : " يقول عن ابن المعتزّ بأنه خليفة عباسي وهو خليفة فاطمي " علمًا بأن الخلفاء الفاطميين الأربعة عشر لا يوجد بينهم من يحمل هذا الاسم وهم كما ذكرهم السيوطي – رحمه الله - : المهدي والقائم والمنصور والمعزّ والعزيز والحاكم والظاهر والمستنصر والمستعلي والآمر والحافظ والظافر والفائز والعاضد ـــ راجع تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 19 .
والمتتبع لهذه الأسماء يجد أن ابن المعتزّ أو المعتزّ ليس من ضمن هذه الأسماء . وابن المعتزّ صاحب كتاب البديع الشاعر والأمير والخليفة هو خليفة عباسي حكم المسلمين يومًا واحدًا أو أقل من اليوم الواحد ولكي تستفيد أكثر يا أستاذ علي آمل أن تقرأ التاريخ " جيدًا" قبل أن تزعجنا بهذه الثقافة المشبوهة .

محمد مهاوش الظفيري
01-14-2009, 05:12 PM
صالح الظفيري .... " المنطفئ " .





شاعر من طراز بديع ... حضر اللهجة البدوية وأعاد تهذيب كثير من كلماتها وألبس بعض المفردات العامية القديمة ثوب الحضارة ونفخ فيها من روح الثقافة الشيء الكثير . إلا أن المتتبع لأشعاره يجد أن عيبه " الشرعي " كسول ... كسول ... كسول ... جداً جداً جداً أو أن الرجل قد " انطفأ " تماماً وليس لديه ما يقوله فلزم الصمت ولاذ عن الجمهور ولسان حاله يقول " مكرهاً أخالك لا بطل " .

محمد مهاوش الظفيري
01-14-2009, 05:15 PM
فرج صباح .... " اليتيم "






فرج صباح وغلطة اللي مسمـي = مابه فرج ... مابه صباح ارتحالى



بيت يتيم في قصيدة " أيتم " لشاعر نشم رائحة الحزن من كلماته ونلمس ملامح الشقاء في كتاباته ... فرج صباح ... هل سيطول انتظارنا لرؤية أشقاء لهذا البيت أم لا ؟؟!! ... أتمنى غير ذلك وكل ما أخشاه أن لا تكون " سماؤك ممطرة وطريقك مسدود ٌ ... مسدود " .

محمد مهاوش الظفيري
01-14-2009, 05:17 PM
الشعـــــر





أكثر الدراسات تقول بأن الشعر العربي نشأ واكتمل بمائة وخمسين سنة قبل مجيء الإسلام . وقد اختلفت أهواء العرب في تحديد أول من أجاد الشعر وتصرف به , متغاضين عن صاحب البيت أو البيتين أو الثلاثة أبيات , باعتباره ليس شاعراً , إذ أدعت كل قبيلة عربية بأن شاعرها هو أول من قال الشعر . فقالت اليمانية إنه . امرؤ القيس , وقالت تغلب بأنه المهلهل , وقالت بنو أسد هو عبيد بن الأبرص. وهذا الخلط في الادعاءات يؤكد على جهل العرب بمن بدأ الشعر, وأول من نظم القصائد الطوال .
الحديث في هذه المسألة أو الإسهاب بها لا يفيدنا في شيء , فعملية بدء الشعر أو أول من قال الشعر , أشبه ما تكون بمحاولة التعرف على أول من نطق العربية , لأن الحديث في هذا الشأن لا طائل منه, غير أن إمكانية التعرف على سبب نشوء الشعر , عائد إلى أسباب قد تبدو منطقية أو قريبة من المنطق . فمن المعلوم بداهة أن الكلام المنثور سابق الكلام المنظوم , ولما تشابكت مصالح الناس وتقاطعت مصالحهم في بعض الفترات التاريخية , احتاج العرب إلى تدوين أيامهم وتسجيل مآثرهم , والتغني بمكارم الأخلاق لديهم , لحث الآخرين على الجود والكرم , وذكر أوطانهم التي هجرها ووصف الأطلال التي تركوها منذ أيام الشباب , ومن أجل تسجيل أسماء فرسانهم , لجأ العرب إلى قول الشعر , وكانت أول أوزان الشعر جاءت عن طريق التناغم الإيقاعي مع سير حركة الإبل وتتابعها في المسير , إذا نشأ أول ما نشأ كما يقال شعر الحداء , ولما تطورت أمور العرب , ونشبت الحرب فيما بينهم , أخذوا بعض الأوزان من إيقاع صوت الحرب وقرقعة السيوف , كما تقول المصادر في هذا الشأن , ومع تداخل مصالح الناس , أخذ الشعر العربي يتطور ويتطور ويتغلغل في الحياة والطبيعة . فنشأ لدينا ثلاثة أقسام كما يقول الرافعي كالأمور الغيبية والتغلغل في حياة الناس و الامتزاج بمظاهر الطبيعة والمحسوسات من حوله , وكون العرب الجاهليين كانوا عباد أصنام لم تظهر قوى الغيب الخفي في شعرهم بشكل جلي وواضح ، وذلك باعتبار أنهم وثنيون لهذا كان أغلب شعرهم شعر مادي خالٍ من الجوانب الروحية . وعندما جاء الإسلام بقيمه الروحية السامية وتعاليمه الجديدة ، اكتشف العرب أموراً لم يكونوا يعرفونها كالملائكة والجنة والنار ويوم القيامة , والأمور التي يمكن إطلاق عليها هذا المفهوم الفلسفي المجرد , وهو علم الميتافيزيقيا – أي علم أمور ما وراء الطبيعة – وهذا منثور في قصائد شعراء الزهد والتصرف , والقصائد التي يغلب عليها الروح الدينية .












مكانة الشعر ودور الشاعر




كان العرب في صحرائهم أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب , ولم يعرفوا من فنون العلم والثقافة إلا فن الكلام وبدائع القول , لهذا أبدعوا في هذا المجال , فأظهروا لنا جواهر نفسية من الشعر الجزل الرصين وبدائع من الخطب والحكم والأمثال والوصايا , وعندما جاء القرآن الكريم متحدياً العرب , لم يتحداهم إلا بما مهروا فيه , وأبدعوا صنعه , والعناية به . والكلام عند العرب ينقسم إلى قسمين : كلام منثور , وكلام منظوم , والكلام المنثور كالخطب والأمثال , أما الكلام المنظوم , فلم يكن إلا للشعر , وهو الكلام الموزون المقفى الدال على معنى , كما عرفه نقاد المسلمين الأوائل كقدامة بن جعفر وغيره من أصحاب هذا الفن. وهو رغم وضوحه تعريف ناقص لأنه سلب من الشعر خاصية الخيال والتصوير , كما وضح الجاحظ " الشعر ضرب من التصوير " وكانت القبائل العربية تبتهج إذا نبغ فيها شاعر و تقيم المآدب لهذه المناسبة , لأنه صوتها الإعلامي ولسانها المجلجل في المحافل العربية كسوق عكاظ , وكانت تضرب القباب للنابغة الذيباني إذا حضر سوقاً من أسواق العرب , وكان الشعراء يفدون عليه للتحكيم فيما بينهم .
وللأمانة يجب علينا الاعتراف بأن الخطابة أجل قدراً عند العرب من الشعر رغم أهمية الشعر الكبيرة في حياة العرب . فالخطابة لا يقوم لها إلا الرجال , وليس أي رجال , إذ ينبري لها الزعماء والسادة والأشراف , ولو كان لدى الشاعر ميزة يتميز بها على من سواه , لعلم الله الرسول – صلى الله علية وسلم – الشعر , حيث يقول في سوره يس – 69 " وما علمناه الشعر وما ينبغي له " لان الشعراء ظهر منهم الرجل والمرأة , والعبد والأحمق والمجنون والغلام والصبي وفاقد الرجولة , أما الخطابة فلا يقول لها إلا الفحول من الرجال كجد الرسول عبد المطلب , وقس بن ساعدة , وأكثم بن صيفى , وحاطب بن زرارة , وسيد هؤلاء وأولئك جميعاً الرسول محمد - صلى الله علية وسلم – الذي إذا خطب في المهاجرين والأنصار , فكأن القوم على رؤوسهم الطير .
رغم هذه الحقيقة التاريخية على تفوق الخطابة على الشعر , يظل الشعر أشد تأثيراً في النفس من الخطابة وبقية فنون الكلام المنثور , لأنه أقرب إلى النفس وأيسر حفظاً وأكثر تداولاً على الألسنة , وهذا ما يفسر ابتهاج العرب ببزوغ شاعر بين قبائلهم , إذ كانوا يقيمون الولائم ويشعلون النيران فرحاً بهذا الشاعر الجديد الذي سيدافع عنها أمام القبائل الأخرى , باعتباره صوتها الإعلامي في المحال الأدبية في العصر الجاهلي كسوق عكاظ وغيره من أسواق العرب , لأن الشعر سريع الانتشار سهل الحفظ ويسر التداول بين الناس عكس الخطابة والكلام المنثور الآخر الذي لا يوجد لها رابط نغمي أو ايقاع موسيقى معين .

محمد مهاوش الظفيري
01-14-2009, 05:21 PM
محمد النفيعي , وعامل البوفيه , والإهداء للعم أحمد سند


قراءة كتبتها على عجل , وبلا تركيز



الإهداء \ إلى روح العم ( أحمد سند ) رَجُلٌ عاش ومات على هامش الحياة :




شعر : محمد النفيعي
قراءة : محمد مهاوش الظفيري





في عام اربعميه وعشرين واربع والف للهجره
في ليل آخر ربيع اوّل واوّل يوم مـن ثانيـه
سكت مع قلبه صياح الديوك ولعلعـة نجـره
سكت تهليله/ سعاله/ وتسبيحه/ سكت راديـه
رحل في صمت متجاهل نهي دكتوره وزجره"
ياعـم احمـد ..ياراقـل بص..بئولّـك ايـه"
هنا بيته...هنا دورة ميـاه ومطبـخ وحجـره
هنا مركازه اللي كان بعد العصر يجلس فيـه
هنا وقّف تحت ظل الشجر "تكْسيّـه" الأُجـره
هناك اربع غنم في حوشه اللي ماقـدر يبنيـه
هنا ياما نصحني"ياوْلِدي كلّش تـرى باجـره"
هنا ياما قدع دلّه..هنـا يـا ماشـرب شاهيـه
مثل ماهو ولِد ماات وكذا: مقطوع من شجْره
لااب وام لاحتـى بنـي عمّـه ولا بناخـيـه
بكاه اللي سأل: وين السرا في"مخبز الهجره"؟
و"حلاّق الأمانه" والرصيف وعامـل البوفيـه







" العم أحمد سند "



نسخ متكررة في كل مكان وزمان / في جدة / الطايف / الدمام / مكة / عرعر / المدينة / حفر الباطن / نجران / جازان / القريات / الأبيات بسيطة جدًّا , وهي من نوع " السهل الممتنع " , الكثيرون يفكرون بالزهوروالحدائق والنساء الجميلات , غير أن هذا الشاعر هنا ينصهر في زحام الأرصفة ويندمج في الواقع اليومي وينقل لنا تفاصيل منسية من هذه الحياة بعين الشاعر الحاذق الواعي المدرك لِمَا يقول في عام اربعميه وعشرين واربع والف لـلهجره في ليل آخر ربيع اوّل واوّل يوم من ثانيهالبيت الأول لا يحمل من علامات أو سمات الجمال الشعري أي شيئ , اللهم فقط تأريخ للحادثة وإعلان بوجود حالة , وكأن الشاعر يُعِدُّ تقريرًا من التقارير سكت مع قلبه صياح الديوك ولـعلعة نجره سكت تهليله/ سعاله/ وتسبيحه/ سكت راديهلكننا في البيت التالي نلمح أن هذا التقرير يختلف عمّا سواه من التقارير المعروفة ,إنه تقرير / شعري / عُدَّ بطريقة مختلفة , إنه ينصهر في إنسانيّة الإنسان سكت مع قلبه........ماذا سكت يا تُرى ؟؟لقد سكت " صياح الديوك " الدالة على بزوغ الصباح والإعلان الضمني لبدء صلاة الفجر. إن الشاعر هنا يتجه للتفاصيل , وكأنه يذكرني بوالدي ــ رحمه الله تعالى ــ إذ لا أقدر أن أنام بشكل سليم بسبب صوت " الرادو " وها أنا الآن أفتقد هذا الإحساس / الغاضب / الصامت / المتذمر في بعض الأحيان / اللذيذ أقول ينطلق الشاعر للتفاصيل الأخرى والتي تدلُّ على كبر سن الرجل " العم أحمد سند " واتزانه الإجتماعي ( لعلعة نجره ــ تهليله ــ سعاله ــ تسبيحه ــ راديه )رحل في صمت متجاهل نهي دكتوره وزجره"ياعم احمد ..ياراقل بص..بــئــولّــك ايـه" هنا تتجسد أمامنا شخصية رجل السن المعاندة الرافضة لتحذيرات الأطباء , وكأنهم أعداؤه أو كأنه عاد إلى الوراء سنينًا ــ مرحلة الطفولة ــ عندما كان يعاند والديه في أمور ينهيانه عنها , ولا تزال رنة ال " آه " التي أطلقها والدي قبل أيام من موته حينما منعه الطبيب من ممارسة حقه الطبيعي بالذهاب لدورة المياه والمكوث بالعناية المركزة , لا تزال تلك ال " آه " ترنُّ في أذني رغم تعاقب السنين .
.




هنا بيته... هنا دورة مياه ومطبخ وحجره
هنا مركازه اللي كان بعد العصر يجلس فيه
هنا وقّف تحت ظل الشجر "تكْسيّه" الأُجره
هناك اربع غنم في حوشه اللي ماقدر يبنيه
هنا ياما نصحني"ياوْلِدي كلّش ترى باجره"
هنا ياما قدع دلّه..هنا يا ماشـرب شاهيـه




كان إحساس الشاعر بفقدان هذا العزيز يتنامى بشكل تصاعدي من خلال أبيات هذه القصيدة لهذا ينغرس في جزيئيات حياة الشيخ بشكل متغلغل , حيث يتكلم عن أشياء " العم أحمد سند " بوضوح وشفافيّة إنَّ هذا النوع من الشعر يبكي أو يثير الرغبة في البكاء , لهذا سأتجاوز تلك الأبيات الثلاثة في هذه الإطلالة السريعة مثل ماهو ولِد ماات وكذا: مقطوع من شجْره لااب وام لاحتى بني عمّه ولا بناخيـه هذا البيت خلق عندي نزعة وجودية ...إنه أوقظ لديّ الإحساس بتفاهة هذه الحياة وحتميّة الموت إنَّ هذا النص يجب أن لا يُقرأ بهذه الطريقة الخاطفة غير المتأنية , لعن الله الأنترنت وعالم السرعة , لأن كل بيت من هذا النص يشكل في نفسي دوائر متعددة وكل دائرة تتوالد منها دوائر أخرى إلى ما لا نهاية






بكاه اللي سأل:وين السرا في"مخبز الهجره"
?و"حلاّق الأمانه" والرصيف وعامل البوفيه





هالإحساس بالعدم والقهر أمام قسوة الموت تتجسد بشكل واضح وجليّ في البيت الأخير من هذا النص , وكم أنت رائع أيها الشاعر إذ دمجت كل هذه المشاهد انطلاقًا من صياح الدّيكة و " لعلعة النجر " والسعال وصوت المذياع (الرادو أو الرادي ) ــ حسب اللهجة ــ مازجًا " تكسي الأجرة " بــ " حوش الغنم " و" ظل الشجر " بــ " المطبخ ودورة المياه "لتختلط كل هذه المشاهد والصور المنزوية بين زوايا حركة الحياة , أقول لتختلط هذه المشاهد بــ " سرا المخبز " و " الحلاق " و " الرصيف " و " عامل البوفيه "

محمد مهاوش الظفيري
01-14-2009, 05:23 PM
هذا الكلام كتبته قبل نشوب الغزو الأمريكي الصليبي على العراق بشهر أو شهرين , لكن ظل حبيس الأدراج



لنكن شرفاء



الأجيال لا تعرف المجاملة ، والتاريخ لا يرحم
ليس من العار أن نموت ، لكن العار كل العار أن نرضى الحياة ونحن نرى الموت وهو يتسلل إلينا .
النظام العراقي ، نظام غير جدير بالاحترام ، لأن له تاريخ أسود مع أبناء الخليج وخاصة الكويت والسعودية ، غير أن غيوم السياسة العالمية تنذر بالخطر وتوحي بأن المراد ليس العراق . إن الحملة الأمريكية الصهيونية القادمة من تل أبيب وواشنطن بمباركة اللوبي الصهيوني وتهليل ذوي العمائم القذرة في قم وطهران لا تريد العراق . نعم ، لا تريد العراق ، فليس في العراق ما يشبع نهب الكلب الإسرائيلي أو النسر الأمريكي .... إنما تريد الشرق أولاً ، ومن ثم العالم . حلم إسرائيل أن تسيطر علينا من الفرات إلى النيل ، وحلم أمريكا بسط السيادة الكلية الشاملة على العالم ، وفي التحكم بمنابع البترول .
يجب علينا أن نكون شرفاء – على الأقل في مثل هذه الظروف . الأجيال لن ترحمنا إذا تخاذلنا وسنكون وصمة عار في جبين هذه الأمة كما كان أبو عبد الله الصغير أو أبو رغال من قبله .
كل من يريد الاصطياد بالماء العكر في مثل هذه الأحوال يعتبر متخاذلاً ويقطر دنادة وخسة ، وتفوح منه رائحة العفن .... نعم ، العفن ، العفن السياسي والعفن الأخلاقي ، والعفن الديني والعفن الإجتماعي .
الإعصار القادم سيقتلعنا من الجذور ، ويمضي بنا إلى لا مكان ولا زمان ، وعندها لن ينفع الندم ، ولن تجدي إعادة ترتيب الحسابات ، وعمل اللجنات ، واللجان المنبثقة من اللجان المنعقدة .
المواجهة العسكرية انتحار والصراخ فضيحة والمظاهرات الصاخبة ضحك على الذقون ، يجب أن تكون هناك آليات للعمل العربي المشترك ، تضع الأولويات نصب أعينها بعيداً عن دبلماسية الصحون أو اجتماعات الولائم واللقاءات المشبوهة .
لقد عانينا من غزو التتار ومن الحروب الصليبية المتعاقبة ومن طوفان الاستعمار الأوروبي .... لكننا كنا في كل مرة نفيق ، وتكون الإفاقة أقوى من الإحساس بالصدمة ، وكنا نواجه التحدي بالتحدي ، ونرد الصاع صاعين ، فما بال الرجال هم ليسوا أولئك الرجال ؟؟!! ... هل عقمت هذا الامة ؟؟!! . أم أنها أصبحت من مخلفات التاريخ ؟؟!!
نعم .. إن الأوضاع مقلوبة .. لقد تجرأ علينا من لا يقدرون أن يحموا أنفسهم بأنفسهم كاليهود وغيرهم .. آمل ألا يكون هذا الكلام صرخة في واد ، لا يسمعها إلا من أطلق هذه الصرخة .
أخشى كل ما أخشاه أن يقول قائلنا ذات يوم : أكلت يوم أكل الثور الأبيض .

محمد مهاوش الظفيري
01-14-2009, 05:25 PM
قراءة في ملف هبايب في مجلة الساعي , لكنها لم تنشر , لأن المجلة توقفت عن الصدور , وبقيت هذه الورقة في حوزتي






في هذه الاطلالة أودّ تركيز الضوء على هذا الملف , وآمل أن يحذوا الأخوان من بعدي هذا الحذو , لإضفاء نوع من الحيوية على هذا الملف .
في حديث فهد دوحان عن تاريخ الشعر الشعبي , أظنّ أن الشعر لم يكن مادة إعلامية فقط هذه الأيام , بل أصبح مادة شَرَفية أكثر من كونة مادة إعلامية . فالبعض لا يجيدون لعب الكرة ولا يعرفون التلحين , لذا صار اصطياد المعوزين من الشعراء للكتابة عنهم ولهم خير وسيلة للشهرة , فكان الغزل السامج هو البوابة الوحيدة للشهرة , والدخول إلى قلوب المغفلين والمغفلات , فليس من المعقول أن يشتري المرء قصيدة ويتكلم عن قضايا أمَميّة ذات أبعاد إنسانية , لهذا جاءت الكتابات أشبه ما تكون ب " الدجاج المجمد في ثلاجات المجلات الشعبية " كما يقول دوحان .
نشكر الملف على إخراج الشاعر االمبدع صالح الظفيري من قمقم العفاريت الرهيب المنزوي في كهوف النسيان والكسل .
مذكرات رصيف للشاعر الجميل هاني الظاهري ليست بحاجة إلى تعليق , فما كُتِبَ عنها في سجد الثقافة يكفي .
الحوار المُجرى مع الشاعر مسعود اليامي أشبه ما يكون بجلسة بوليسية مكهربة الأجواء. لقد حاول تهميش الأخوة الكويتيين من خلال صحافتهم , وهذه نقطة تُحسب لهم ضده , كما أنه ذكر أن الشعراء السعوديين هم من رفعوا من مستوى الصحافة الكويتية , وهذا كلام مردود عليه , لأن الصحافة الكويتية هي من عرّفت السعوديين بشعرائهم كخالد المريخي وسليمان المانع وعمري الرحيل وطلال حمزة والآخرين
بيت أعجبني .... صفحة مجاملات وجبر خواطر أو في بعض الأحيان محاولة لفتل العضلات الثقافية..... وحبذا لو رأينا قصيدة لأحد الشعراء الشباب مكانها .
قصيدة خميس المقيمي ..... سفر في الاتجاه الصحيح , ونزيف مشاعر صادقة , حاول بها شاعرها تضميد نزف جروح جنين
ما خذوا بجيوبهم... غير الغمام
................. أو صور أطفالهم , ويّا الحنين
صامتين وفي بنادقهم كلام
................. للظلام اللي خذلهم من سنين
طلال حمزة...... وقصيدة متواضعة لشاعر كبير .... كنا نأمل منه الأروع .
كتابة عمري الرحيل , قفز على التاريخ , وحوار فنتازى مبسّط , يعكس عقدتنا مع أنفسنا , ومع العالم الخارجي . وهو كعادته يمزج الشعر بالسياسة والشعبي بالعالمي . قلم نحتاجه ولا نريده .... نحتاجه في هذا الزمان النَّفَقي المظلم , ولا نريده لأنه يعرينا أمام أنفسنا , ويجعلنا مكشوفيّ القاع والقمة .... هكذا مذبذبين ومعلقين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء .
أثار الشاعرسالم سيار نقطة تدريس الشعر الشعبي في المدارس , وفي هذا الطلب مزاحمة للغة الفصحى , فأيّ مطلب من هذا النوع يعتبر هجومًا على اللغة الأمّ , فهذه المحاولة بقصد أو دون قصد يعدُّ دعوة لتهميش القرآن الكريم ....ولكن حبذا لو دُرِّس هذا الشعر بالجامعات والتعليم العالي أسوة باللغات الأجنبية .
سعد الجريان..... وهذا البيت
بين خضر الطعون وبين قولة تعال
............. كن خيل المواجع في حشاي تحدي
محمد جار الله السهلي
هاك صدري شوف بعيونك... متاهات الغلابة
....................... في شوارع هالحنايا كم متشرّد.... نزيه
محمد صلاح الحربي ...... شاعر نجله ونحترمه جميعًا ...... غير أن المتتبع لكتابته التي بعنوان " سفر " يجد أن الكلام في واد , والقصيدة في واد آخر , وليس بينهما رابط , كما أنه لم يُشر ولو بكلمة عابرة لاسم صاحب القصيدة الأصلي .
التكلف والصنعة الواضحتين في قصيدة " ميلاد " للشاعر عبد الله بن زنان , أفسدتا علينا الاستمتاع بالنص , فهو في هذه القصيدة متحذلق أكثر من كونه شاعر .
" تضليل الناس , وانتحال الموهبة , والنصب والاحتيال على الجمهور , ومحاربة الحقيقة , وسرقة الأفكار , وترويج الغباء......." إننا بحاجة إلى هذا التيار الكهربائي من خلف الحربي المتجلي دائمًا لصعق الواقع والاعلام وتعرية المستور .
لم يقف الحربي عند هذا الحد من الحديث حيث سلّط الضوء على شعراء " المهايط " كما يقول ووصفهم بالسخافة , وهم كذلك , لأنهم فشلوا في الغزل , وليست لديهم هموم ذات قيمة يتحثون عنها , لذلك نظروا إلى أنفسهم فعكسوا ما بها من سذاجة .

محمد مهاوش الظفيري
01-14-2009, 05:27 PM
الإرهاب الأمريكي






إن ما حدث في نيويورك في 11-9-2001 ، بمنظره البشع الذي صدم الملايين عبر مساحات هائلة على هذه المعمورة ، جعل كل من له عقل يتساءل لماذا يحدث كل هذا للولايات المتحدة الأمريكية بالذات دون غيرها من بلدان العالم الأخرى ؟؟!! . غير أن الأمر لا يحتاج إلى كثير من التفكير في البحث عن إجابة مقنعة لهذا السؤال .
إن أول دولة في العالم – وكذلك الوحيدة حتى الآن – التي استخدمت السلاح النووي هي الولايات المتحدة الأمريكية ، ألقت القنبلة الذرية على هيروشيما ثم بعد أيام على ناجازاكي اليابانيتين . وأنها هي التي ساندت بكل قواها دكتاتور الفلبين ماركوس ، وهي التي قلبت أنظمة الحكم في تشيلي ونيكاراغوا ، وأقتلعت رئيس بنما جهاراً نهاراً على مسمع ومرأى من العالم ولم تحمه سفارة الفاتيكان من مصيره المحتوم , والمتخذ من قبل صاحب البيت الأبيض .
كما أنها استخدمت قرار الفيتو ثلاثين مرة ما بين عام 1972 – 1996 ، لمنع أي قرار يدين الممارسات الصهيونية الشريرة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل .
وقد قامت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العاشر من نوفمبر عام 1975 بإصدار قرار ينص على اعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال التفرقة العنصرية ، غير أن الضغط الأمريكي كما أجبر نفس الجمعية على إلغاء هذا القرار في 16/12/1991م .
رغم كل هذه التجاوزات الأخلاقية وغيرها التي ارتكبتها الولايات المتحدة الأمريكية ، والتي أكسبتها عداء شعوب الأرض ، ألصقت تهمة تفجير مبنى التجارة بالعرب والمسلمين وأكنها محبوبة الشعوب الأخرى ، وحمامة السلام التي ترفرف على الجميع بالأمن والآمان والخير والبركة ، ولا يكرهها إلا العرب والمسلمين علماً بأن الإرهابيين – كما تقول هي – قد تدربوا في معاهدها ودرسوا في أراضيها ، واستخدموا طائراتها ، أي هي التي قدمت كل هذه التسهيلات لهم ، ومن العار أن نُلقي عيوبنا جانباً أو تتنصل عنها , دون أن نناقشها . لكن الهستيريا الأمريكية لم تقف عند هذا الحد ، بل تعدى الأمر إلى مس الأسس والثوابت العربية والإسلامية ، وأن التعليم الديني هو الذي خرّج هذا الإرهاب والإرهابيين أمثال أسامة بن لادن وأيمن الظواهري ، علماً بأن الأول خريج اقتصاد والثاني طبيب جراح ، أي ليس لهما أي علاقة بالتعليم الديني أو المناهج الشرعية ، لكن المر لم يقف عند هذا الحد بل صارت الدوائر السياسية الأمريكية تلوح ضد السعودية معلنة أنها ستجمد أموال رجال الأعمال أو الأمراء السعوديين ، وكأن أمريكا تلعب بالنار أو الأمر قد فلت من يد عقلائها لتصبح ألعوبة بيد السفهاء من اليهود وغيرهم ، لهذا صارت تتخبط يميناً وشمالاً وهي لا تدري ماذا تفعل ؟؟!!
وبعد مضيّ سنوات من اجتياح كابول وابتلاع بغداد , ها نحن نرى تضعضع النسر الأمريكي , وخسرانه لحديقته الخلفية في أمريكا الجنوبية , وتفلت عدد من الدول من براثن السيطرة الأمريكية , بما دول المنطقة التي انتحت جانبًا عن مسار السياسة الأمريكية , وهنا تصدق نبوءة الرئيس العراقي السابق صدام حسين من أن أمريكا ستنتحر على أسوار بغداد
وحتمًا , الأيام حبلى بالجديد

محمد مهاوش الظفيري
01-14-2009, 05:28 PM
لا للتقليد .... نعم للتميز







لكي يكون الإنسان واقعياً ، ينظر إلى كل شيء من حوله بمنظار الوعي والعقلانية ، عليه أن يتخلى عن كل ناقوس يدق بداخله ليدفعه بطريقة أو بأخرى إلى تقمص أدوار الببغاوات أو التباهي بأدمغة مثقلة بالغباء . عندما يصل الإنسان إلى هذا المستوى من الوعي سيدرك أنه منفردً أو متفرد في أسلوب حياته ، وفي طريقة تفكيره أو تعامله مع نفسه ، ومع كل شيء من حوله . لكي يصل المرء إلى هذا الحد لابد عليه أن يتخلى عن بواعث التقليد بشتى أنواعها ، لأن التقليد مرض نفسي وآفة اجتماعية تفتك بحياة الفرد والمجتمع .
التقليد داخل المجتمع الواحد ، يولد لدينا نسخاً من البشر لا فائدة ترجى منها ... نسخ من السياسيين ، من الإقتصاديين ، من التربويين ، من الشعراء ، من الأدباء ، من المشايخ ، من المطربين ... مما يجعل كلٍ من له عقل أو بصيرة يدرك بأن مصير هؤلاء جميعاً إلى زوال . فلا يقلد الآخرين إلا من رضي لنفسه أن يكون بوقاً لغيره .
وهذا الأمر ينسحب على الشعوب ، ولا سبيل للخلاص من هذا الجمود إلا بالتميز ، والتميز لن يتحقق بعيداً عن الكرامة سواء كانت كرامة فردية أو كرامة جماعية, وذلك لن تكون إلا بالحصول على الحرية واكتسابها ...
لا أقصد بالحرية ، حرية العنف والإرهاب ، أو حرية التغيير القسري والإلغاء ، أو فرض كل شيء بالقوة ، أو حرية التطاول على الحكومة .... لا أقصد كل ذلك ، فلا حرية منطقية دون قيادة حكيمة واعية ، تحتضن الجميع في الوقت الذي تسمح لهم بالتحرك . لا يمكن أن تكون هناك حرية حقيقية دون وجود سلطة قوية قادرة على بسط نفوذها وتحقيق الأمن للجميع . إنما أقصد بالحرية ... حرية الكلام ... حرية تكوين الآراء ... حرية كشف الأخطاء والتجاوزات ... حرية الدخول في نقاشات سياسية أو دينية أو إجتماعية دون الخوف من رقيب يحسب على الأفراد دقات قلوبهم أو ترددات أنفاسهم .
عدم فهم بعض الناس للحرية بشكل صحيح أو عدم تعاملهم معها بشكل واضح ، لا ينفي أهميتها أو يلغي صلاحيتها ... إذ عدم معرفة الجاهل بدوران الأرض حول الشمس لا ينفي وجود هذه الظاهرة ، فهي معروفة وثابتة لدى الجميع ، والخطأ يكمن في عدم معرفة الجاهل بهذه الظاهرة الكونية .
الإسلام له موقف مؤيد للحرية " لكم دينكم ولي دين " وكذلك " لا إكراه في الدين " وهو موقف أخلاقي ثابت ، وضع البشرية أمام خيارين لا ثالث لهما ، معتبراً أن " الكفر ملة واحدة " غير أن هناك خصوصية فريدة امتاز بها هذا الدين في التعامل مع المخالفين له ... إذ لم يطالب أتباعه بإلغاء المخالفين له أو عدم التعامل معهم ، غير أن الكثير من المسلمين لم يفهموا الإسلام كما ينبغي ولم يتعاملوا معه من حيث ما هو يريد .

محمد مهاوش الظفيري
01-14-2009, 05:30 PM
بين الأخلاق والحرية



الحرية مطلب حياتي ملح للفرد والمجتمع كالماء والهواء والغذاء غير أن هناك سؤال لا أستطيع الهروب منه .. يلازمني كظلي كلما فكرت في هذا الموضوع . ما الفرق بين الأخلاق والحرية ؟ وأيهما أشمل وأعم ؟
بعد تفكير ومراجعة مع النفس , وتردد لا أدري أسبابه أدركت أنه لا أخلاق لمن لا حرية له , نعم ... الحرية , هي المفتاح السحري لكل شيء .. التفكير ... الإبداع ... الاندماج والتعايش . وما الأخلاق إلا مجموعة من السلوكيات التي ليس لها أي قيمة في حال بعدها عن الحرية , لأن الحرية هي الأساس , وهي الرافد الذي يرفد الإنسان بالحياة . فتواضع السجين للسجان – مثلاً – أو تفاني الخادم في خدمة سيده ليس خلقاً أو تصرفاً خلقياً , لأن ذلك ناتج عن ضغوطات خارجية ليس بمقدوره التحكم بها .
إذاً ... الحرية قيمة إنسانية , والأخلاق صفة آدمية .
الحرية تجعل لحياة الإنسان معنى , بينما الأخلاق مطلب آدمي لابد توافره لمن أراد التميز على أقرانه أو التفوق على الآخرين .
لهذا , فالصفة الآدمية لا تتغير كالكرم والبخل أو الشجاعة والجبن أو الأمانة والخيانة , أي أنها ثابتة المفهوم والتصور لدى جميع الأفراد والشعوب , وفي كل الأزمنة .
أما الحرية , فمفهومها مطاطي , متحرك في جميع الاتجاهات لا يستقر عند نقطة معينة , فهي كالجمال – أمرها نسبي – يختلف من زمن إلى زمن , ومن مجتمع إلى مجتمع آخر , الجمال يختلف في عيون الأفراد حتى وهم ضمن المجتمع الواحد ، كما تختلف نظرتنا للجمال عن نظرة بعض الشعوب الأفريقية على سبيل المثال .
هذا من ناحية , ومن ناحية أخرى تختلف نظرتنا للخير عن نظرة الآخرين . ولا يستطيع أحد تحديد معنى واضح وصادق للخير تتفق عليه جميع الأطراف – فمثله كمثل الإرهاب هذه الأيام – فإبادة الشعب الفلسطيني الأعزل يعتبر عملاً خيراً في عيون الصهاينة وعمل شريراً في عيون العرب والمسلمين. وكذلك العمليات الاستشهادية القائمة على تخلي الشاب الفلسطيني عن حقه في البقاء والعيش كما يعيش غيره من أجل واجبه الديني أو الوطني ، تعتبر عملاً خيراً في عيون العرب والمسلمين وعملاً شريراً في عيون الصهاينة .
ولكي لا أخرج عن هذا الموضوع , أود التنبيه أن خلاف الناس حول تحديد معنى الحرية أدى إلى انقسامها إلى قسمين أو نوعين . حرية مقيدة , وحرية مطلقة , عكس الأخلاق الثابتة .
الحرية المقيدة هي تلك التي ترجع كل شيء إلى الله الخالق . أو التقاليد الإجتماعية , وهي لا تتطاول على حقوق الآخرين وحرياتهم . غير أنه يمكن التلاعب بها أو البحث عن مبررات للقضاء عليها , وذلك من خلال وضع الحواجز الدينية أو الأخلاقية أو الإجتماعية أو المصالح الوطنية العليا . والسؤال الذي يفرض نفسه علينا بإلحاح ... من يملك الحق في تحديد مثل هذه الأولويات ؟؟!! .
أما الحرية المطلقة فهي تلك التي لا تقف عند حد معين . كحرية الإنحلال والإخلال بالذوق , أو حرية القدح والتشهير تحت مسمى النقد البناء , ومنها حرية الاكتساح وهي التي تكتسح كل شيء بطريقها حتى حقوق الآخرين وحريتهم , تحت مسمى حرية التعبير عن الرأي . وهذه هي حرية الحمقى والمغفلين , وسفهاء الشعوب .

محمد مهاوش الظفيري
01-14-2009, 05:31 PM
هل تعتقد أن هناك نقاد يمارسون النقد بطريقة علمية ممنهجة ؟







الساحة الشعبية بيت كبير لكنه مليء بالدبابير , وهذه الدبابير لها أكثر من فصيلة , منها الدبابير القبائلية والدبابير الفكرية والدبابير الإرتزاقية البارغماتية , ولا عجب أن تكون هذه الأجواء هي الأجواء السائدة , فكيف تنشأ حركة نقدية ذات طابع علمي ممنهج في مثل هذه الظروف ؟؟!! . لقد بدأت الحركة الشعبية في الخليج والجزيرة العربية منذ بواكير الستينات الميلادية , أي مع بزوغ عالم الصحافة في المنطقة , إلا أن هذا الحراك الثقافي المبكر لم تواكبه حركة نقدية ممنهجة تضبط هذا المسار وتقيه من الزلل , غير أن ترلكم الخبرات دفعت بعض المهتمين بالساحة لضرورة النهوض بهذه المسؤولية رغم مشقة الطريق في هذا الجانب , وصعوبة هذا المسلك , فتكونت بوادر لحركة نقدية نأمل أن تتضح ملامحها مع تقدم هذه التجربة , في محاولة الإبتعاد عن الكتابات الإنطباعية التي يغلب عليها المزاجية والإستعراض اللغوي . فالمتأمل في هذا الجو الضبابي يلحظ أن هناك توجه جاد من قبل بعض المهتمين بدفع هذا التوجه للبروز , لتصدر واجهة المشهد الثقافي وتوجيه الحركة الشعرية التوجيه الأنسب الذي يرقى بالذائقة , ولا يخلق فجوة بين المثقف والمتلقي البسيط

محمد مهاوش الظفيري
01-14-2009, 05:32 PM
النص الشعري الجيد , هو ذلك النص الذي لا يقف عند نقطة محورية معينة , بل هو النص المفتوح دلاليًّا على الفضاء الشعري الرحب , والتعامل مع النص الشعري كعالم آخر له أدواته الخاصة , المتكئ على إمكانية إثارة عدد من التساؤلات التأملية الشعرية , التي تجعل من الإمكان استنطاق النص الشعري وبث الروح الشعرية فيه مهما كان عمره الزمني الماضوي , هذا بشكل عام , لأن هذه الكلام لا يقيده سياقات معينة بل منفتح على المشهد الشعري من حيث كونه مشهدًا شعريًّا بالدرجة الأولى
النص الشعري , في جميع سياقاته , هو الذي يشكل عبئًا على المتلقي لا عالمًا مخمليًا يستريح بين حدائقه الغناء في معزل عن الإنسان بكل تحدياته أو الواقع المعاش بكل صراعاته , أي أنه بعبارة أخرى , ذلك النص المليء بالجراح التي تتفجر أمام القارئ لخلق حالة من التوازن الروحي والإنسجام النفسي بينه وبين الواقع المعاش بشكل عام , وبينه وبين النص كواقع منعزل يخدم السياق العام للحياة بشكل أكثر تخصيص , سواء كان النص نصًّا ذاتيًّا أو وجدانيًّا أو نصًّا تأمليًّا وجوديًّا , أو أي نص آخر من النصوص الأدبية التي يقدمها الشعراء في سياقاتهم الخاصة .
القراءة الأدبية للنص , هي بمثابة عمل تكاميلي للنص الشعري , يقوم من خلاله القارئ المتمكن بملء الفراغ الموجود في النص , وإعادة بناء هيكله الداخلي بطريقة تفحصية
الخطأ الذي يقوم به بعض النقاد , سؤال الشاعر : " ماذا تقصد ؟ " أو " ما معنى هذه الكلمة ؟ " أو إمكانية البحث عن مقصد الشاعر ومراده في هذا النص , مع العلم أن هذا الوضع ليس من مهمات الناقد المتبصر بقراءة النصوص الأدبية , إلا لدى أصحاب الفهم التسطيحي للنصوص , , بل واجب الناقد المتبصر بالنصوص الأدبية , كشف العلاقات الدلالية بالنص الشعري بمعزل عن فهم الشاعر أو أطروحاته الخاصة , والتعامل مع النص الأدبي بمعزل عن صاحبه , ورحم الله الناقد العباسي الذي فصل بين الشعر والشاعر قبل بارت بألف سنة " وأحسب أنه اختلط على كثير من الناس وصف الشعر بوصف الشاعر فلم يكادوا يفرقون بينهما , " ((( ــ قدامة بن جعفر ــ نقد الشعر , ص 83 ))) , لهذا يتوجب على الناقد بث الروح الحيوية بالنص دون النظر للشاعر وسؤاله عما يقصد , وسد الفراغات بالنص الشعري من خلال التفكير الطويل المتمركز , بعيدًا عن أي سياق خارجي لا علاقة له بالنص
الناقد المتبصر بالنصوص , هو ذلك الرجل الذي يعتبر النص الأدبي بناء , يجب تفكيكه لإعادة هيكلته بطريقته الخاصة

محمد مهاوش الظفيري
01-14-2009, 05:34 PM
الكتابة ليست مثل الكلام

الكتابة تأمل , والكلام ثرثرة

سحقًا لكلِّ ثرثارٍ وثرثارة

محمد مهاوش الظفيري
01-14-2009, 05:37 PM
النص : للشاعر محمد مهاوش الظفيري
قراءة : للناقد السعودي الأستاذ : محمد الرفيدي










ملزوم أنا أكتب لك شعر...ملزوم أنا أمـلا دفتـري
من يوم ما عاف القصيد...شاعر على أطراف الشمال
ضـم الوجـود بداخله...وضيـع زمانـه يحتـري
لمحة أمل...تزرع شعر ...تخضر على صدر الرمـال
تعال أبا أحكـي لـك أنا...زمانـي فارينـي فـري
ومنهو سواك بدنيتـي... يمسـح دمـوع الانفعـال
مليت من دنيا الشقا...وتعبت مـن طـول الجـري
نسيت وجهي في الظلام...وبكيت من ضيم المحـال
وزعت لك قلبي قمر...وفرشـت لـك عمـري زري
تعـال شاركنـي دخيلـك مـا بقـى شـيٍّ يـقـال
غيمه على الأمة علت ...مرة مثـل طعـم الشـري
وأحر من جمر الغضى...وأنجس من عفون الرجـال
العجل أم المسلميـن ...صلـى الصـلاة ولا قـري
من بعد مـا أفتـى لهـم إن الزنـا أصـل الحـلال
وطـار السفيـه بفتوتـه فرحـان لكـن مـا دري
إن الرصيف اليـا انفجـر يهـز صـرح الاحتـلال
والسامري مصلح شريف ... من كل تهماتـه بـري
أنبل من النبل النبيل ... وشاهد عليـه أبـو رغـال
وصهيون راس المسألة...واللي يعـارض بربـري
يبـي تعـم المنطقـة فوضـى أساطيـر القـتـال
والنمـل صـار بجسمنا...فينـا يبيـع ويشـتـري
وإشـارة اللعنـة علـت علـى تسابيـح الـهـلال
يـا الله دخيلـك رحمتك,,,علينـا شـاخ المفتـري
مات الضمير ولا بقى.....إلا السمـا تمطـر جبـال









محمد مهاوش ....
قارئ من الطراز الجيد ، ويملك قلم سيّال ، إذا ما وُظف التوظيف الفني فسيزاحم ذوي الأقلام المترفة بلا جدال ، هذا من الناحية النقدية التي تحاصر الشاعر.
وهو شاعر يتنفس من خلال قلمه النقدي بشكل لا أظنه يبتعد كثيراً عما أتوقع له ، فالناقد عادة حينما يكتب نصاً شعرياً نراه يختلف عن الشاعر المتجرد ( أعني الذي ليس لديه حاسة سادسة تجاه الشعر ) .
ليس ذلك إمعاناً في فضح تجربة محمد مهاوش فأنا في واقع الحال لم أتربص به كثيراً ، غير أني قرأته في جهات وفي أكثر من نص يتضح من خلاله أنه يملك رؤية شعرية غير مستقرة ، بمعنى أنه يتأرجح في تجربته بشكل غير منتظم ، وهي حالة صحية في نظري ، ذلك أن الاستقرار الشعري ليس مؤشراً إيجابياً على جودة المنتج بأي حال ، بل هو دليل صارخ على الإفلاس ، ولا أعني هنا بالإفلاس عدم وجود حالة شعرية ، إنما عدم وجود تجربة ذات بُعد شعري متعدد .
ومهاوش في هذا النص يأتي مختلفاً نوعاً ما ، وهذا الاختلاف في ماهية القضية التي يطرحها ، حيث تقف على رأس الهم الإنساني / المسلم تحديداً ، ورغم تعدد الطرق المؤدية إلى طرق مثل هذه الأبواب إلا أن الميزة المثلى للشاعر ذي التجربة المتحركة أنه كمن يبارز من الجهة اللامتوقعة فيسجل النقاط بشكل سريع وفي نفس الوقت يتصدر قصب السبق إذا ما قورن بغيره ممن يسيرون بنفس الاتجاه.
يبقى أن لكل كلاماً حظه من الشواهد إن كان ذا حقيقة ، والمنطق يقول بالاستدلال في حال اللامحال ، ومن المهم أن نعرف سلفاً أن نصاً واحداً بعينه لا يشكل منعطفاً بذاته في حياة هذا الشاعر أو ذاك كما يمكن أن يتبادر إلى الأذهان ، بل ربما تكون مجموعة نصوص لا يقل الواحد منها أهمية عن الآخر ، وقد تكون مختلفة المضامين والأفهام ، بل ربما تكون مختلفة في الشكل ، هذا الاختلاف في واقع الأمر هو اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد ، يحسب بلا شك في صالح التجربة الشعرية للشاعر لأنها قرينة مهمة لحالة الناقد حينما يبرهن على وضع متفرد .
ونحن حينما نسوق هذا النص للقارئ إنما لأن وجهاً من الشبه كبيراً بين الواقع الحياتي للمسلم المعاصر وبين النص يتداخل في أكثر من صورة شعرية قد يجسدها نص تقليدي مثل هذا لكنه عميق في مضمونه وفحواه ، فإن البعد الشعري ليس شرطاً أن يتقوقع في النص الجديد ، هذا فهم خاطئ ، إنه يتمازج حتى مع النصوص التقليدية ، ذلك أننا لو قلنا بحكره على النص الجديد فإن معنى ذلك أننا ننسف النص التقليدي برمته ونزج به في أتون الكلام الخالي من المعنى .
وإن من أبرز ما يمكن أن يؤكد اللااستقرار في نص مهاوش هذا عدم وجود وحدة عضوية لبعض الجمل الحالية ، فهو وإن كان يتحكم فيه كما يمكن أن يتحكم في غيره من كتاب النص العمودي مسألتي التقفية ومساحة البحر الذي يُكتب عليه ، إلا أن الشاعر المتمكن من أدواته قد يفلت من هاتين المسألتين على الأقل بما يعطينا انطباعاً مبدئياً أن في النص دهشة أخرى .
وعلينا أن نحدق ملياً في :-
دمـوع الإنفعـال
مع ملاحظة مغايرة :-
طـول الجـري
أعتقد إن الشاعر في قوله : دموع الانفعال . قد احتكم إلى الراهن الشعري دون أن يبسط يديه طويلاً فيما يمكن أن يخلق صورة جديدة تنأ به عن التضاد في هذه الجملة ، فلو قال : ردود الانفعال . لربما كان مناسباً جداً من حيث التركيبة المتوقعة لجملة كهذه ، لأن الانفعال ليس له دموع " هذا عُرفاً " ، قد يكون له تبعات ومن ضمن هذه التبعات البكاء مثلاً ، لكن لا يمكن أن يكون هناك شيء اسمه دموع الانفعال .
أما قوله : طول الجري . فلعل الشاعر هنا قد أتى بالمغاير تماماً والممكن في نفس الوقت ، الممكن من حيث التجديد والمغاير من حيث السائد ، فالمعروف أن " زود الجري " هو الدلالة على طول المسافة التي قطعها الشاعر ، لكن أن يكون الطول نفسه هو الدال ، لا على المسافة إنما على الجري فهذا الجديد الذي نتمنى على مهاوش ومن كان التجديد هوسه أن يتنكبوا هذا الصراط .
والنص بعامة يدندن على الهم الآني للحالة الراهنة التي يعيشها المسلم ، وهي حالة تجمع من الكآبة ما لا يجمعه الشعر ، وفي تخميني أن الشعراء القادرين على سكب الهم الإسلامي في مثل هذه القوالب هم المخولون فعلاً لتحمل درع الدفاع عن حياض أمتنا ، كما هو الحال في الصدر الأول من الإسلام لحسان " رضي الله عنه " مع الفارق في الغرض الشعري حيث حسان ينافح وهو في الصف الأول والغلبة له ولمن معه ، ومهاوش يرصد حالة من اليأس لا أكثر .
تعال أبا أحكـي لـك
هذا الاستجداء الكائن في " تعال " يوضح مدى المأساة التي يريد مهاوش أن يقص تفاصيلها على المتلقي ، هذا من ناحية ومن أخرى فهي دلالة واضحة وجلية على حالة الرصد التي يريد منا مهاوش تتبعها في نصه هذا .
غير أن في النص أيضاً أقصوصة ، فهو إلى جانب كونه شعراً ، إلا أنه شعر" حكواتي " ، لا أعني أنه ينسج من خيوط الخيال رواية " الواق واق " كلا ، لكنه يمنحنا التفاصيل التي أردنا لأنفسنا نسيانها .
هذه التفاصيل المبللة بوضوح الداء الذي نعاني منه ، والذي بالكاد يستطيع أحدنا أن يضع يده عليه ، تفاصيل مقتضبة بوضوح جلي .
ومما يعتمد عليه مهاوش في نصه هذا ركائز لهذه الأقصوصة التي قلنا إنه سردها اقتضاباً مع شيء من الوضوح وهي :-
العجل أم المسلميـن
والسامري مصلح شريف
وشاهد عليـه أبـو رغـال
وصهيون راس المسألة
علينـا شـاخ المفـتـري
هذه المصطلحات الخمس التي جعلها مهاوش ركائز لنصه هذا تبدو واضحة بشكل سافر ، الأمر الذي يجعل منها مع مرور الوقت تجاوزاً مألوفاً ، ذلك أننا فعلاً بحاجة ماسة إلى من يعلن عما في قلوبنا ، ولا أدل على ذلك مما يعانيه الأكثرون في عرض الوطن العربي وطوله ، ونصوص من هذا النوع تجمع بين التفاوت في البوح وبين الإمرار على الجرح بشيء من التطهير ، توقظ بلا شك ذلك النائم في أذهان البعض منا ، والذين يراهنون على وجود عدالة ماحقة لكل المظالم .
الجميل في توظيف بعض هذه المصطلحات أنها أتت حاملة لبعض أطروحات التهكم ، ذلك العلاج المسكن الذي بدأ به منظروا الكاريكاتور وختم به الشعراء نصوصهم ، مع العلم أن الرمز في النص الشعري يملك من الأحادية ما لا يملكه النص المرسوم / الكاريكاتوري ، ذلك أن النص الكاريكاتوري له ما له من صفة النضح الكامن في الصورة ، فما يعجز عنه التعبير المنطلق من أفواه أبطال الكاريكاتور يقوم به الرسم المعبّر " ولكلٍ وجهة هو مولّيها " .
لكن ما لفت انتباهي في هذا النص تحديداً هو أن الرموز الخمسة المشار إليها تنطلق من بوتقة الفكر الإسلامي ( العجل ، السامري ، أبو رغال ، صهيون ) مع التناسب الطردي للزمن ، فالعجل والسامري لهما تلازمان بالعهد القديم ( موسى عليه السلام ) ، وأبو رغال وصهيون متلازمان لفظاً مفترقان زمناً ، لأن أبا رغال يرتبط بعهد النبي محمد عليه الصلاة والسلام ، أما صهيون فلعل المصطلح جديد في لفظه قديم في الدال عليه من حيث الأخلاق المتلازمة مع الفعل الصهيوني ، عدا ما يمكن أن يقال عن : المفتري ، فالمناسبة المتلازمة مع فعل النص إضافة إلى التقفية كما ذكرنا سلفاً ساهمت ويشكل كبير في أن تحدد إطاراً معيناً للشاعر يجمع بين اللفظية والمعنوية .

محمد مهاوش الظفيري
01-14-2009, 05:40 PM
الكتابة هاجس ومدار تفكير المثقف ,وأكبر الهموم التي يواجهها الكاتب المرتبط بعمل معين لإنجازه , تكمن في البحث عن الفكرة وصيدها من بين شتات الأفكار المتطايرة ، ومن ثم محاولة ترويض هذه الفكرة للسيطرة عليها , وبعدها يأتي دور البحث عن المقدمة وهذه " أم المصايب " ... فمتى يتدفق عليك الحديث ؟! وكيف ؟! وأي البدايات ستختار ؟! وماذا سيعجبك منها ؟!
عندما يهبط عليك الإلهام من عالمه السحري العجيب ، تدخل متاهة الترتيب ووضع الأولويات ، وبعدها تقف أمامك أكبر المعضلات وأشدهن إيلاماً وحسرة في النفس ... ألا وهي كيفية الوصول إلى القارئ وإقناعه بما تقول ... وفي أضعف الأحوال قراءة هذا الهذيان الكتابي الذي نسميه مقالة








شيء جميل جداً أن يكون الإنسان مميزاً ومتميزاً عن الآخرين ... ولكن ما نوع هذا التميز الذي نسعى إليه ؟؟!! فأنا – والعياذ بالله من كلمة أنا – أكتب وأمارس الكتابة ولكن دون التزام من أي طرف . وأجزم أن هناك من يقرأ هذه السطور إما أنه معجب بما أكتب أو يريد البحث عن أي شيء ينتشله من دوامة الحياة المريرة . وأنا لا أريد أن أحقق رغبة الطرف الثاني مع تقديري الكبير للطرف الأول ، وليس لدي أي استعداد بأن أضع نفسي في مثل هذا الموقف المحرج . فالكتابة عندي مبدأ عظيم واهم أساسياته المنطق والمضمون واحترام الطرف الآخر لا كلاماً فارغاً هدفه الوحيد ملء الخطوط البيضاء دون النظر لأي اعتبارات أخرى .
ومن الخطأ الفادح أن يتطاول الإنسان على من سبقه بالإبداع سواء كان المبدع إنساناً عادياً أو شعباً من الشعوب ، ولكن الأفضل والأجمل والأجدر كذلك أن يكون الإنسان رمزاً أو مثلاً أعلى لمن سيأتون بعده .
وأعتقد أن مصيبة العرب الكبرى تكمن في " أفعل التفضيل " وأننا أكثر شعوب الأرض تداولاً لهذه الصيغة " أذكى – أفضل – أحسن – أشجع – أروع – أضخم " فلو ألغي هذا الموضوع " أفعل التفضيل " من جميع الدروس لوقفنا عند نقطة المعقول ونظرنا إلى العالم الخارجي بعين الإنسان الخالي من أي عقدة أو مرض نفسي وعند ذلك سنعرف حجمنا الطبيعي ونقوم بمراجعة شاملة ودقيقة لكل شيء فينا .
الأجيال أمانة في أعناقنا نحن الواقفين على بداية هذه الألفية الجديدة .... لنترك كل شيء معقد وراء أظهرنا ونبدأ الحياة من جديد .
- قبل الوداع
قرأت في إحدى المجلات سابقاً أن الأستاذ مفيد فوزي اعتبر الطفل المصري من أذكى أطفال العالم وأن مخه يعمل بينما مخ الطفل الأمريكي يعتمد على الحاسب الإلكتروني .

محمد مهاوش الظفيري
01-14-2009, 05:43 PM
بوح خافت : .. إلا السما !!

شعر : بدر الحمد


.. إلا السما ، لو يضحي الطير بأغصانه
ينفض جناحه ، وتبقى أغلى مـن عيونـه
إن صارت الأرض .. جمر ، ومالها خانه
شاف الفضا ، حلم ، ما قبلـه ولا دونـه
واللي خلق ريشته .. وأعطـاه جنحانـه
مابه جنـونٍ .. يشابـه روعـة جنونـه
إن طار .. كل المدى من تحت سلطانـه
وإن حط .. ما طاحت الدنيا على متونـه
الطير ماله وطن .. فـجناحـه أوطانـه
الطير مالـه زمـن .. وأزمانـه لحونـه
لا شاف بيته ، تعيث الريـح فـأركانـه
صارت له الريح بيت .. وفارق غصونه









.. إلا السما ، لو يضحي الطير بأغصانه
.........ينفض جناحه ، وتبقى أغلى من عيونه

هل هذا هو طير " بحق وحقيقي " أم لعلها نفس الشاعر المتوثبة نحو التضحية بكل شيئ إلا الثوابت


إن صارت الأرض .. جمر ، ومالها خانه.
........شاف الفضا ، حلم ، ما قبله ولا دونه
هذه النفس الطائرة الرافضة للأرض بما فيها من مآسٍ ودمار وهي تتطلع إلى السماء المليئة بكل شيئ جميل وشامخ


واللي خلق ريشته .. وأعطاه جنحانه
.........مابه جنونٍ .. يشابه روعة جنونه
تحليق من نوع فريد به من ملامح الجنون ما بالشموخ من ملامح التحدي , لذا اتشح الجنون بالروعة كما ازدانت الروعة بعبق الجنون



إن طار .. كل المدى من تحت سلطانه
.........وإن حط .. ما طاحت الدنيا على متونه
طير يحلق........ ونفس ترفرف
يلتقي الاثنان إلى درجة الانصهار
الأرض مثل الجسد مادة , والتحليق مثل النفس والروح طاقة
والفرق بين العنصرين أن المادة تعشق السقوط للأرض لأنها مكمن اللذات بالنسبة لها أما الروح " النفس " فهي مثل التحليق تجد الأمان كلما ارتعت لهذا فهي لا تخاف من السماء .... وكيف تخاف الأشياء من عوالمها الخاصة بها التي تمنحها بطاقة الوجود والكينونة ؟؟؟؟؟؟



الطير ماله وطن .. فـجناحه أوطانه
.........الطير ماله زمن .. وأزمانه لحونه
ها نحن هنا نصل مع الشاعر إلى جوهر الحقيقة أو بيت القصيد كما يحلو للبعض أن يقول
وهي الحرية والتفرد عن الأشياء بما فيها هذا العالم الممتد بكل أبعاده
نعم . الحرية لا تعترف بالجغرافيا ولا تؤمن بالتاريخ
الحرية لا تؤمن إلا بالحرية ولا تعرف إلا الحرية فهي واضحة , شامخة كالشمس لا تغطى بغربال



لا شاف بيته ، تعيث الريح فـأركانه
.........صارت له الريح بيت .. وفارق غصونه
وكما قلت نيابة عن الشاعر – ولا أدري هل يوافقني أم لديه رأي آخر – الحرية لا تعترف بالجغرافيا ولا تؤمن بالتاريخ
وطن الحرية هو جوهرها النابع من إيمان أصحابها بها , لهذا فكل هذا الفضاء الممتد واللا نهائي وطن مشاع لكل راغب بالتحليق والحرية

محمد مهاوش الظفيري
01-20-2009, 03:10 AM
سعد الحريص .. لا شرّق , غرّق











هبت جنوب وطـاح بـرد المكاتيـب
يا كثر مـا هـب الجنـوب وذكرتـه
يملا حضوري من حضوره وأنا أغيب
وياما غيابي فـي غيابـه حضرتـه
إن جا مطر راحت ضلوعي له شعيب
وإن راح ريـحٍ طيّـر اللـي بذرتـه
جنبت لو مال عـن الدمـح تجنيـب
من وين ما هـج بجروحـي شعرتـه




تتعدد أشكال الموجود الغائب في نصوص الشاعر سعد الحريص ، كلما أوغلنا في تأمل نصوصه الشعرية ، لأنه يجد لذة في التعامل مع الضمائر ، وخاصة ضمائر الغياب التي تتناثر في نصوصه الشعرية بشكل ملفت للنظر ، وتتعدد هذه الأشكال في كل مرة نقف فيها على نص من نصوصه الشعرية ، وذلك حينما نتطرق للحديث عن نماذج من قصائده التي اخترت منها الكثير وكتبت عنها أكثر من مرة والتي اكتمل عقدها مع " إشكالية الموقف من الشعر في البحث عن الموجود الغائب " وكان سعد الحريص هو أنموذج الطرح الكتابي الذي تكلمت عنه في تلك الدراسة .
في هذه الأبيات التي اقتطعتها من قصيدة لهذا الشاعر ، تبدو في هذه المقطوعة رغبة الشاعر في البحث عن المطر ، وحث الذهن والذائقة على حد سواء , على الإستمطار ، استمطار المشهد العاطفي أو استمطار رغبة الحياة والخصب الكامنة في نفس أي إنسان .
لو عدنا قليلاً إلى الوراء ونظرنا إلى الموروث الشعبي في محاولة لفهم هذا الإستمطار . تقول أهل البادية " لا شرّقتْ غرّقتْ " أي أن الرياح إذا جاءت شرقية " أي جنوبية " فإنها ستجمع الغيوم ومن ثم ستغرق الأرض بالأمطار . إن التقاسيم الية لدى أهل البادية كما فهمت من بعض كبار السن – وليس كل كبير سن يؤخذ رأيه أو يعتد بما لديه من معلومات – أن " الهواء الغربي " هو القادم من جهة الشمال ، و " الهواء الشرقي " هو القادم من جهة الجنوب ، أما الجهة الغربية أو الشرقية كما هي في فهمنا نحن الجيل المتعلم ، إذ أن الغرب عند أهل البادية " فوق " أو " قبلة " أو " مغيب شمس " أما الشرق فهو " حدر " أو " تحت " أو " ورا " . وللخلاص من هذا العرض البسيط ندرك مدى رغبة الشاعر في استجلاب المطر ، والمطر هو الحب والخصب والرغبة في استمرارية الحياة العاطفية ، وهذا ما أوضحه الشاعر في البيت الثالث من هذه المقطوعة " إن جا مطر " لتأكيد هذه الرغبة في البحث عن دلالات الإستمطار والمطر والحياة ، فهذه الرغبة في الإستمطار في الحضور مع كل نسمة هواء جنوبية ، من أجل تكثيف حالة الحضور والتواجد في كل الحالات الإنسانية من خلال ثنائية " الغياب والحضور " فهنا يستشعر الشاعر بلذة العيش في الغياب ، وذلك لتوارد مفردات الغياب أكثر من دلالات الحضور " ذكرته – أغيب – غيابي – راحت – راح – طيّر – جنبت – تجنيب – من وين – هج " فهذه المفردات الموحية بالغياب والدالة عليه بشكل واضح ، تأكيد على حالة الموجود الغائب ، إذ يتلذذ الشاعر بهذه الحالة الشاعرية التي تضفي عليه عبقاً من الإحساس الشعري الفاتن القادر على استجلاب المطر واستمطار الحالة الشعرية من عالم العدم لخلق نوع من التوافق الروحي بينه وبين ذلك الغائب الغائر في نفسه .
إن هذا النص من أجمل ما قرأت لهذا الشاعر ، رغم تأكيدي الدائم على تنوع حالات الجمال الشعري في نصوص الشاعر " سعد الحريص " وما أكتبه من كتابات ، ما هي إلا محاولة لفهم هذا الشعر ، وسبر أغوار تلك التجربة الشاعرية لدى هذا الشاعر ، من خلال التركيز على بعض النماذج الشعرية التي خطتها تجربة سعد الحريص الخاصة عبر مساحة لا بأس بها من عمر الزمن وصولاً لهذا الوقت ، مع رجاء وتمني مني بشكل شخصي بأن لا يقف هذا العطاء ولا يتوقف ذلك الإبداع من قبل الشاعر الفريد سعد الحريص ، والخوف كل الخوف أن يتراجع هذا النهر أو يتغير مجراه .

محمد مهاوش الظفيري
01-20-2009, 03:11 AM
سعد الحريص .. لا شرّق , غرّق











هبت جنوب وطـاح بـرد المكاتيـب
يا كثر مـا هـب الجنـوب وذكرتـه
يملا حضوري من حضوره وأنا أغيب
وياما غيابي فـي غيابـه حضرتـه
إن جا مطر راحت ضلوعي له شعيب
وإن راح ريـحٍ طيّـر اللـي بذرتـه
جنبت لو مال عـن الدمـح تجنيـب
من وين ما هـج بجروحـي شعرتـه




تتعدد أشكال الموجود الغائب في نصوص الشاعر سعد الحريص ، كلما أوغلنا في تأمل نصوصه الشعرية ، لأنه يجد لذة في التعامل مع الضمائر ، وخاصة ضمائر الغياب التي تتناثر في نصوصه الشعرية بشكل ملفت للنظر ، وتتعدد هذه الأشكال في كل مرة نقف فيها على نص من نصوصه الشعرية ، وذلك حينما نتطرق للحديث عن نماذج من قصائده التي اخترت منها الكثير وكتبت عنها أكثر من مرة والتي اكتمل عقدها مع " إشكالية الموقف من الشعر في البحث عن الموجود الغائب " وكان سعد الحريص هو أنموذج الطرح الكتابي الذي تكلمت عنه في تلك الدراسة .
في هذه الأبيات التي اقتطعتها من قصيدة لهذا الشاعر ، تبدو في هذه المقطوعة رغبة الشاعر في البحث عن المطر ، وحث الذهن والذائقة على حد سواء , على الإستمطار ، استمطار المشهد العاطفي أو استمطار رغبة الحياة والخصب الكامنة في نفس أي إنسان .
لو عدنا قليلاً إلى الوراء ونظرنا إلى الموروث الشعبي في محاولة لفهم هذا الإستمطار . تقول أهل البادية " لا شرّقتْ غرّقتْ " أي أن الرياح إذا جاءت شرقية " أي جنوبية " فإنها ستجمع الغيوم ومن ثم ستغرق الأرض بالأمطار . إن التقاسيم الية لدى أهل البادية كما فهمت من بعض كبار السن – وليس كل كبير سن يؤخذ رأيه أو يعتد بما لديه من معلومات – أن " الهواء الغربي " هو القادم من جهة الشمال ، و " الهواء الشرقي " هو القادم من جهة الجنوب ، أما الجهة الغربية أو الشرقية كما هي في فهمنا نحن الجيل المتعلم ، إذ أن الغرب عند أهل البادية " فوق " أو " قبلة " أو " مغيب شمس " أما الشرق فهو " حدر " أو " تحت " أو " ورا " . وللخلاص من هذا العرض البسيط ندرك مدى رغبة الشاعر في استجلاب المطر ، والمطر هو الحب والخصب والرغبة في استمرارية الحياة العاطفية ، وهذا ما أوضحه الشاعر في البيت الثالث من هذه المقطوعة " إن جا مطر " لتأكيد هذه الرغبة في البحث عن دلالات الإستمطار والمطر والحياة ، فهذه الرغبة في الإستمطار في الحضور مع كل نسمة هواء جنوبية ، من أجل تكثيف حالة الحضور والتواجد في كل الحالات الإنسانية من خلال ثنائية " الغياب والحضور " فهنا يستشعر الشاعر بلذة العيش في الغياب ، وذلك لتوارد مفردات الغياب أكثر من دلالات الحضور " ذكرته – أغيب – غيابي – راحت – راح – طيّر – جنبت – تجنيب – من وين – هج " فهذه المفردات الموحية بالغياب والدالة عليه بشكل واضح ، تأكيد على حالة الموجود الغائب ، إذ يتلذذ الشاعر بهذه الحالة الشاعرية التي تضفي عليه عبقاً من الإحساس الشعري الفاتن القادر على استجلاب المطر واستمطار الحالة الشعرية من عالم العدم لخلق نوع من التوافق الروحي بينه وبين ذلك الغائب الغائر في نفسه .
إن هذا النص من أجمل ما قرأت لهذا الشاعر ، رغم تأكيدي الدائم على تنوع حالات الجمال الشعري في نصوص الشاعر " سعد الحريص " وما أكتبه من كتابات ، ما هي إلا محاولة لفهم هذا الشعر ، وسبر أغوار تلك التجربة الشاعرية لدى هذا الشاعر ، من خلال التركيز على بعض النماذج الشعرية التي خطتها تجربة سعد الحريص الخاصة عبر مساحة لا بأس بها من عمر الزمن وصولاً لهذا الوقت ، مع رجاء وتمني مني بشكل شخصي بأن لا يقف هذا العطاء ولا يتوقف ذلك الإبداع من قبل الشاعر الفريد سعد الحريص ، والخوف كل الخوف أن يتراجع هذا النهر أو يتغير مجراه .






















أخذت أحبك وشفتك قد ما اقدر جميـل
على حدود النظـر والعجـز والإقتـدار
كنت فعيوني على حد إليهـا المستحيـل
فعين بدر الدجى وفعين شمـس النهـار
أستكثر الحب في عيونك ولو هو قليـل
واستصغره في فؤادي لو جروحي كبار
أنحت من الصمت كلماتي وروحي تسيل
على الورق وأشعل الدنيا لك حروف نار



لا أدري حقيقة ، كلما أعود إلى هذه المقطوعة الشعرية للشاعر سعد الحريص ، لا أدري لماذا ؟؟ وكيف ؟ تذكرني هذه الأبيات ببيتين حفظتهما من أحد كبار السن للشاعر جراح ابن حزيم الظفيري .



شوف الحلو يطرد الهوجاس
لو ما يريـدك ولا تريـده
لو هي لناسٍ وأنا من ناس
القلـب ثــوّر بـواريـده




لعل لوجود الثنائية التضادية سبب في هذا الموضوع , ربما , ولِمَ لا ؟؟!! حيث أن نص سعد الحريص يحتوي على ثنائيات جميلة تدور هذه الثنائيات بين رجل وامرأة وبين قلب وروح وبين مطر وأرض ، جاءت هذه المتضادات رغبة في الصعود إلى الأعلى بالقدر الذي يتشبث فيه الشاعر بالأرض .
في هذه المقطوعة العذبة تبدو لنا المحبوبة منصهرة بين الحروف وفي عبق المكان والطريق , وممتزجة بالمطر غير أنها لم تكن واضحة الملامح , إنها ذائبة في الجميع متخلخلة بين مسامات الطبيعة ، وفي مشاعر الشاعر الذي يريد استحضارها من اللاعالم إلى العالم ، من العدم إلى اللاعدم ، ومن كل لاشيء إلى كل شيء , لهذا كانت هذه المحبوبة تبدو هنا وهناك ، لهذا أكاد اتصورها تختال بين الرعد والبرق والجفاف والمطر والسنين والغيوم ، وفي الركض والسير على الأقدام .
هذه الثنائيات الزاخرة في هذه المقطوعة ، منحت هذا الكلام زخماً روحياً وبعداً شعرياً خلاقاً ، الكامنة بين " العجز والإقتدار " وبين " بدر الدجى وشمس النهار " وبين " استكثر واستصغره " وبين " عيوني وفؤادي " وكذلك بين " قليل وكبار " لهذا كان الشاعر في هذه المقطوعة يتشظى وهو يتحدث عن ذاته الهائمة الباحثة عن الجمال ، الراغبة في التواصل مع المحبوب من خلال هذا الإستغراق في استخدام كل هذا التكثيف من الثنائيات المتضادة ، التي تدل على انغماس الشاعر في الحديث عن هذا الحب الذي امتزجت روح الشاعر فيه .
نكتشف مدى تكثيف هذا الحضور للمحبوب في هذا الجو المشبع بالرغبة في استمرار عملية التواصل ، وفي هذا الإحساس تأكيد لحالة التواصل بين الشاعر ونصفه الآخر في الحياة ، بما في هذا الشعور من صراع خفي وظاهر في نفس اللحظة بين الثنائيات المتضادة في المقطوعة السابقة . إن هذا الحبيب نراه متواجداً من خلال ضمائر متعددة ، تراوحت بين ضمائر كاف المخاطبة أو تاء الفاعل كما في " أحبك – شفتك – عيونك – لك " وكذلك كما في أول البيت الثاني " كنت " أي أنها جاءت لتكثيف حضوره المكاني في السياق ، وانتشار هذا التواجد في كل هذه المقطوعة الشعرية وكذلك نرى هذا المحبوب في اندفاع الشاعر للحياة وفي صراعه مع نفسه من خلال اعتماده على هذه التضادات الثنائية ، لهذا ونظراً لأن هذا الحبيب هو المحصلة النهائية لكل الأشياء الجميلة في هذه الحياة " على حدود النظر – على حدود البها – فعين بدر الدجى – وفعين شمس النهار – وأشعل الدنيا لك حروف نار " لذا يصبح الشاعر مندمجاً في هذا التيار الجارف القادم إليه من أجل أن يملؤه في الحب والشعور بلذة الحياة ، والاستمتاع في الإندفاع إليها ، وذلك واضح في هذه المقطوعة الشعرية المشتملة على حركات إرتدادية متعددة كتوابع الزلزال ، لإحداث حالة من الإستقرار النفسي لدى الشاعر ، أقول بما في هذا النص من حركات إرتدادية كانت واضحة من خلال هذه الثنائيات المتضادة ، والتي تم الحديث عنها وتناولها في هذه القراءة ، إذ كان هذا الزلزال المفعم بالحركات الإرتدادية إفرازاً لحالة الإحساس الوجداني المتصاعد للحلم والتأمل والإندماج في الحب الصوفي البعيد عن تداعيات الجري وراء المادة ، البعيد عن ماديات الإنسان المعاصر ، حيث كان الشاعر سعد الحريص سابحاً في ملكوت الحب والرغبة العاطفية المكبوتة بين جدلية هذه الثنائيات المتداخلة ، من أجل الإنعتاق من عبثية الأقدار والظروف الخانقة .
كانت هذه المقطوعة الشعرية ، محاولة من قبل الشاعر للبحث عن ذات هائمة غارقة في خضم الحياة ، حاول الشاعر التوصل إليها من خلال فكرة التواصل مع الحبيب ، باعتبار أنه نصف الإنسان الآخر في هذه الدنيا .

محمد مهاوش الظفيري
01-21-2009, 04:23 PM
صورة الرجل في شعر المرأة عدد من الشاعرات إنموذجاً











- توطئة








الشاعر المتمكن لا يشعر بقصيدته ولا يتعايش معها عند الإنتهاء من كتابتها ، بينما يذوب ويتلاشى أثناء التعاطي معها ، وهذا ما يفسر لنا بأن المرء لا يشعر بأحاسيسه ، فالمرء لا يشعر بلذة النظر أو بحلاوة الإستطعام بعد ممارسة ذلك الإجراء المادي ، وهذا ما يفسر لنا عدم تحمس الكثير من الشعراء لمعايشة نصوصهم عندما يرون أحاسيسهم متجسدة في قوالب شعرية أمامهم . أما الشاعر الذي يتواصل إحساسه مع نصه الشعري بعد الإنتهاء من كتابته , فهو أمام خيارين : الأول : إنه غير واثق من رأي الناس تجاه هذا النص , لهذا يريد أن يصنع لنفسه الجو النفسي الخاص به . والخيار الثاني : إنه لم يسكب كل ما في جعبته من مشاعر في هذا النص ، لذا فهو يرى النص بطريقة عكسية أي أنه يرى نصه الخارجي لكن بعين مشاعره الداخلية . لهذا فنحن كقراء وكمتابعين نذوب هياماً وعشقاً بنصوص الآخرين الشعرية ، لأننا لم نشعر بمرارة كتابتها ، لهذا نستطعم حلاوتها بعد انتهاء الشاعر من كتابة نصه الشعري . وهذا ما يفسر التصاق أرواحنا بأحاسيس الآخرين , حينما نراها متجسدة أمامنا على الورق في قوالب شعرية .
يقول أحد الفلاسفة إن الطفل يولد وعقله صفحة بيضاء ، وهذا ما يمكن تعميمه على التجربة الشعرية ، وهنا يمكن تصوير هذه التجربة بشيء ملتصق بالأرض على سبيل المثال لتقريب الصورة للفهم ، غير أن القراءات وكثرة الممارسة الكتابية المدعومة بالقراءة والحفظ للأشعار ، والإستفادة من خبرات الآخرين , هو ما يطور هذه التجربة وينميها ، وكلما منح الإنسان تجربته الشعرية فرصة التعلم والإستفادة من خبرات الآخرين أو قراءة عدد لا بأس به من النتاج الفكري الإنساني , ارتفعت هذه التجربة عن الأرض وعلت عن تجارب المتشابهين لها ، وكلما نرفد هذه التجربة بالقراءة والحفظ والإطلاع والممارسة والإستفادة المباشرة أو شبه المباشرة من تجارب الآخرين , علت هذه التجربة أو تلك .
هذا الخلل أجده في شعر المرأة . فشعر غالب النساء نتاج لمجهود فردي . والشعر ككل هو في الأساس مجهود فردي لا عمل جماعي ، لكنني لا أعني بهذا الكلام هذه النظرية ، لكنني أعني من هذا الكلام ، أي النساء على الغالب , ليس لهن موجه آخر من خارج السياق الأنثوي ، تستطيع من خلاله الشاعرة الإستفادة منه ، وهذا غير موجود عند الشعراء الرجال ، حيث أن الرجل قادر على الإلتقاء بأكثر عدد ممكن من الشعراء لتطوير تجربته – إذا أراد لنفسه ذلك ــ لهذا فالرجل من هذه النقطة باستطاعته الإستفادة من تجارب أقرانه من الشعراء أو من هم أكبر منه سنّاً , وأقدم منه تجربة شعرية . أما الشاعرة فالأمر يختلف معها ، فهي إما أنها تلتقي ببنات جنسها من الشاعرات الأخريات ، اللائي يعانين مما تعاني منه هذه الشاعرة أو تلك , من قصور في التجربة وتخبط في الأداء ، وهناك جانب آخر يتعلق بالإطار الإجتماعي للشاعرات , حيث أن العديد من الأهل والأقارب لا يدركون أهمية التعامل مع الشاعرة المنتمية إليهم إجتماعياً ، لاعتبارات عدة منها ، أنه لا كرامة لنبي بين قومه ، أو من باب أن عازف الحي لا يطرب ، لهذا فليس بمقدورهم أو لا يريدون في الأساس التعاطي مع هذه الشاعرة أو تلك بأريحية وانسجام ، وهذا الفعل ينعكس عليها بشكل سلبي ، لذا فهي تتعامل مع نفسها ومع تجربتها الشعرية على أدق تعبير , في أثناء تداخل الأهل معها بحساسية وخوف وتوجس من هذه الناحية . وهناك جانب من الشاعرات تلتقي بشاعر أو أحد المعجبين بها وبشعرها ، وهذا بدوره لا يكون صادقاً معها بالدرجة الأولى في أثناء نصحه لها, ولا يكون نزيهاً في توجيهها وإرشادها خشية أن تغضب عليه ، ومن ثم تهجره لمن سواه ممن يرضون غرورها الزائف ، لهذا تجده يحاول إرضاء غرورها ، ويسعى بالكلام لتذليل أمامها جميع العقبات بشكل وهمي ، ولا يهمه إن أضر هذا الكلام بمستقبل تجربتها الشعرية ، لأن الأهم لديه المحافظة على مستقبله معها .

محمد مهاوش الظفيري
01-23-2009, 10:47 PM
[quote=محمد مهاوش الظفيري;1120]صورة الرجل في شعر المرأة عدد من الشاعرات إنموذجاً










-نظرة عامة





في هذا الجو المشبع بالفوضى المادية ، انهارت الحواجز النفسية بين الإنسان وأخيه الإنسان , وصارت المرأة تتعامل مع الآخر المقابل لها بالآدمية الإنسانية بإيحاء من غريزة الحب والكره ، فالحب صور لها المحبوب كأجمل مخلوق رأته في حياتها , ووقعت عليه عيونها , وغريزة الكره صورت لها نفس المحبوب في بعض أو كثير من الأحيان كأبشع ما يكون ، وكأنه مارد منزوعة منه الرحمة , ولا ضمير لديه ولا خير يُرجى منه . هذا الموقف التأزمي , سواء الجانح لأقصى اليمين أو المرتمي بأقصى اليسار ، سببه أن العاطفة الإنسانية عاطفة بسيطة غير متعمقة ، ليس لها جذور تحميها من الإهتزاز ، فالرجل إنسان له شعوره وأحاسيسه , بصرف النظر عما يتبادر منه من أخطاء , قد يقع بها هو, أو غيره من الطرف الآخر .
إن إنشغال العديد من الشاعرات بمسألة الحب أو توهم الحب ، جعلها كشاعرة تتشاغل عن قضاياها الإجتماعية أو الوطنية أو القومية أو الإنسانية الأخرى ، وهذا على العموم لا التخصيص ، وأنه ليس لديها أي استعداد لتحمل أي مسؤولية ذات طابع سلبي أو إيجابي , من خلال مواقف الرفض أو القبول , للمساهمة بالنتاج الفكري بشكل أوسع . فأكثر الشاعرات يحملن عاطفة حب بسيطة , أو غير متزنة عن طريق نظرة عابرة من رجل ، وهذا موجود لدى العديد من الشعراء كذلك ، لكنني سأركز على الجانب النسائي في هذا المجال ، أقول ، نظرة عابرة من رجل قد تحوله إلى أجمل الرجال وأصدقهم وأكثرهم وفاء , وخطأ غير مقصود يحوله إلى سفاح غادر وخائن لا تعرف الإنسانية إليه سبيلاً . أما الموقف الإنساني العاطفي الثابت المتشابك الأضلاع ، فيحاول أن يجعل لكل شيء مبرر ، ولا يتسرع صاحبه بإصدار الأحكام الجائرة ، ولا يحاول الجري وراء الملذات الآنية ، رغم أثرها الواضح في العملية العاطفية , من تأجيج للمشاعر وتفجير للطاقات الشعرية الكامنة في وجدان الشاعر أو الشاعرة .
إن الرغبة في الإرتماء بأحضان المحبوب ، ومن ثم الثورة عليه فيما بعد ، لا يعد مرضاً نفسياً ولا مرضاً عضوياً ، بل هو مزيج بين الإثنين , وهو المعروف علمياً بإنفصام الشخصية ، وهو ما يمكن وصفه بالإستنساد النسوي المشابه للشعراء المسترجلين ، و" الشعراء المسترجلون " مقالة نشرتها منذ فترة . لكن يمكننا تفسير هذه الإشكالية من خلال الإنتقال المفاجئ بين الزوايا دون الوقوف على أرضية وسطية ثابتة ، إلى المزاج الشرقي الحاد المتمرجح بين الإستسلام والثورة ، وبين الرضا والرفض , وبين الإيمان المطلق والكفر المعلن .
العقلية الذهنية التقليدية للحب ، لازالت موجودة في خيال الكثير من الناس ، ولاسيما بين عدد لا بأس به من الشاعرات ، فمن المعروف أن الحب يقوم على ثنائية قطبية ، قوامها الحبيب والمحبوب ، غير أن الذهنية التقليدية ترسم مثلثاً متساوي الأضلاع ، وهم الحبيب والمحبوب والعاذل ، الذي يفترضه دائماً الخيال التقليدي في أغلب الأحيان ، لكن من الإمكان فرضية إبقاء هذا الخيار موجوداً ، وذلك عن طريق تعديل هيكل المثلث والإستعاضة عن العاذل بعنصر جديد ، كالموت عند الهنوف بنت خالد أو الخوف والتردد كما عند بلقيس , أو بعنصر الغياب كما عند شمس نجد على سبيل المثال ، لكن بشيء من المهارة التي تقوي وتضعف في بعض الأحيان عند الشاعرات .
قد يتبادر للذهن أن هناك اختلاف في مستوى الأداء العاطفي بالنسبة للشاعرات ، بل لدى الشاعرة الواحدة ، وقد يكون هذا التباين يظهر في نفس القصيدة الواحدة لأي شاعرة من الشاعرات , وهذا شيء طبيعي ، لأنها تتحدث عن مشاعر ، والمشاعر تعلو وتهبط ، في محاولة من قبل الشاعرة هذه أو تلك , لرسم صورة فنية لعواطفها الإنسانية المتداخلة , والتداخل في المشاعر شيء جميل , بل يعكس طبيعتها النفسية الآدمية ، على أن يكون هذا التباين أو التنوع مرتبط بشيء من الإنضباطية وعدم الإنزلاق الحاد في الموقف العاطفي .
اختلاط المسار العاطفي بالجانب الإجتماعي في تجارب بعض الشاعرات له ملمحه واضح , فحينما ترى أو تسمع هذه الشاعرة أو تلك بأن حبيبها خانها مع امرأة أخرى , يتحول المشهد العاطفي لديها إلى إشكالية إجتماعية ، تعكس تأزم العلاقة الإنسانية بين أفراد المجتمع , كما عند العنود بنت ناصر بشكل جلي ومكشوف ، أو كما عند الهنوف بنت خالد واستقلال الزامل لكن بشيء من التحفظ والإستحياء .
هناك جانب لاحظته في شعر المرأة , لم أركز عليه حقيقة , لأنه لا يخدمني في هذه الدراسة , لكنني سأذكره كإضاءة على الموضوع وكإضافة فنية له ، وهو حنين عدد من الشاعرات للطفولة والرغبة بالظهور بمظهر البنت الصغيرة العابثة اللامسؤولة في تصرفاتها , وفي هذا المنحى إيماءة بتمني الشاعرة استمرارية فترة المراهقة أو ما قبل المراهقة التي تعيشها الشاعرة وتشعر بوجودها من أجل مزج الموقفين فيما بعد ببعضها البعض ، للخروج بوضع إنساني جديد , ينأى عن وضعها الواقعي المعاش .
إن الطفولة المخبوءة في وجدان المرأة الكاملة النضج , ما هي إلا صخب عاطفي متوثب يسعى للتمرد , بعيداً عن سياجات المجتمع المفروضة على الكبار . وهذا الموقف تتقاسمه المرأة والرجل على حد سواء . فالإنغماس بنكهة أجواء الطفولة من أجل التلذذ ، لا بفترة الطفولة الحالمة ، التي لا تحمل من أولويات الحياة إلا الحلوى والملابس الجديدة ، بل من أجل الإسترخاء في عوالم الأحلام الوردية ، وتمني عودة تلك السنوات الجميلة التي تمنح المرأة إمكانية التخيل العاطفي الحالم ، ومن ثم الإستمتاع بذلك التخيل بجوار عاشق يبادلها الغرام .
لهذا نستطيع القول بأن التلذذ الحقيقي للعاشقين يكمن بالسهر والإنتظار ومكابدة نوازع الشوق في قلوبهم . فأجمل النصوص الشعرية العاطفية خلوداً في الذاكرة ، تلك التي كتبها عاشقون لم يبلغوا المراد من حبيباتهم ، ولا اعني هنا المراد بالمراد الجنسي , وإنما أعني به المراد الإجتماعي المعروف بالزواج .
هذا الكلام يقودنا للحديث عن الحب ، فالحب هذه الأيام لم يعد هو ذلك الحب القائم على التواصل والسهر برفقة النجوم وبعث الرسل الحاملين مواعيد الغرام , وعبارات تبادل الإعجاب كما نسمع ونقرا في الكتب ، فحب هذه الأيام اختلف عن الحب القديم ، فقد يتعرف إثنان على بعضهما البعض في سوق أو في شارع أو في حانة ، ثم يمضيان سوياً لقضاء الغرض الإنساني ، وكل منهما قادر على التعبير عن هذه اللحظة العابرة أو وصفها بالطريقة الخاصة . ومن المعروف أن جمالية التعبير في النصوص الشعرية أفضل بكثير من جمود الوصف الحسي للأشياء , وهذا الكلام لا ينفي فرضية وجود النوع القديم ، فالقديم والجديد خطان يسيرا جنباً إلى جنب في هذه الحياة , وكل له خطه البياني الذي يتحرك من خلاله ، وقد تتشابك تلك الخطوط وتتداخل الوسائل بسبب تعقيدات الحياة المعاصرة ، وهذا ما نراه في مسألة الحديث عن الخيانة والتعرف على صديقة الشاعرة هذه أو تلك ، وكأن الإنسان المعاصر أصبح يمارس الحب بنفس السهولة التي يغير فيها ملابسه . لهذا انقلب الإنسان على نفسه وصار الحب لديه يأتي بلا موعد ويمضي بدون استئذان ، وتحول الحب من كائن أسطوري جميل إلى مخدر جنسي مؤقت .

محمد مهاوش الظفيري
01-25-2009, 01:47 PM
[quote=محمد مهاوش الظفيري;1120]صورة الرجل في شعر المرأة عدد من الشاعرات إنموذجاً











- الهدف من الدراسة









الحديث عن الموت ، سواء في أحضان المحبوب أو في حال فقدانه كما عند الهنوف بنت خالد على سبيل المثل يمثل موقفاً فلسفياً قائماً على النظرة الوجودية للحياة والإنسان ، ويقل هذا الهاجس الإنساني أو يتحول إلى حالة أخرى كما عند بلقيس إلى بكاء ودموع ، وهذا سببه الخوف من الضياع وخشية الفراق أو استمرارية الفراق ، والإحساس من طغيان الشعور بالسأم والحزن . قد تكون صورة الرجل في هذه النصوص غير حقيقية بالمفهوم العام للأشياء , أو أن الشاعرة غير دقيقة في تصويرها لنا , لكن مشاعرها المنفلتة كما في الحديث عن الخيانة أو المكبوتة الراغبة برسم صورة تأطيرية للرجل ، هو ما يلون لها الأشياء من حولها , ويمنح مكونات الطبيعة الإضاءة الشعرية التي تسعى إليها هذه الشاعرة أو تلك , فالحديث عن البكاء أو الموت في الحب أعلى درجات الحب ، وهو التجلي في حضرة المحبوب عن طريق الإنغماس باللحظة العاطفية ، للوصول لدرجة الإنتشاء والصعود الوجداني المتدافع لبلوغ أو تمني النشوة المرجوة من حرارة اللقاء . والموت العاطفي عشقاً وغراماً مشابه للذوبان والتلاشي والغياب والإستغراق في جماليات اللحظة الوجدانية , لبلوغ الغيبوبة العاطفية , وهي سكرة من سكرات الموت العاطفي الوجداني الغارق في ملكوت الحب .
ليس المراد من هذه الدراسة ، عكس صورة توثيقية للمحبوب في نظر الشاعرات ، فهذا الأسلوب من القراءات سهل التناول ، ومن الممكن أن يقوم به أي كاتب آخر ، لأنه يعتمد على مجموعة صور أو عدد من اللقطات التي يتم التقاطها بيسر وسهولة ، ثم وضعها فيما بعد في سياق معين تسمى قراءة ، ولأنني اعتمد في كتاباتي النقدية على المؤشر اللغوي لا المؤثر اللغوي ، لأن المؤشر اللغوي متعلق بالدلالة اللفظية للكلمات , بينما المؤثر , هو مؤثر خارجي كمؤثر سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو ديني ، وهذا التوجه من التناول الأدبي لا أرغب به ولا أتحمس له . لهذا فأنا في هذه الدراسة سأركز على اقتناص الزوايا الخفية لاكتشاف مدى تأزم الموقف الإنساني بين الشاعرة كأنثى عاشقة وبين الرجل كمحبوب لهذه المرأة ، معتمداً على إمكانية تلمس مفتاح هذه العلاقة لأتمكن من خلاله النفوذ إلى عالم المرأة الشاعرة , للملمة خيوط العلاقة الإنسانية بينها وبين الرجل كمحبوب أو كإنسان خائن وغدار ، كما هو الحال عن العنود بشكل مكشوف ، وعند الهنوف بنت خالد بدرجة أقل ، وعند استقلال كذلك ، بينما تقل هذه النبرة إلى درجة شبه الإنعدام كما عند بلقيس وسكون وشمس نجد .
صورة الرجل في شعر المرأة مرتبطة بالحب , أو الموقف الإنساني الوجداني من خلال النظر له كمحبوب , ومحاولة هذه الشاعرة أو تلك اقتناص الموقف الإنساني الذاتي الخاص بها ، تجاه هذا الرجل المحبوب ، وعلى هذا الأساس قد يختلط هذا الموقف بالحب ، حيث من الإمكان الحديث عن الحالتين باعتبارهما حالة واحدة , من أجل تخليص القراءة من الوقوع بإشكالية الوقوع بأزمة البحث عن مصطلح .
النظرة الذاتية التي تتعلق بموقف المرأة من الرجل ، لن تتغير ، لكن من الممكن أن تتطور حسب تراكم الخبرات وتقادم سنين التجربة الشعرية ، لأنها أشبه بالبصمة ، إلا ما ندر من بعض التصرفات أو المواقف الشاذة التي تؤكد ثبوت القاعدة . فالشعر بصمة روحية لا يمكن أن يتخلى الإنسان عن بصمته ، لكن من الممكن تطويرها ، والزمن كفيل إما بإبراز هذه البصمة بوضوح أو كفيل بضمورها . وهذا الحديث عن البصمة يجعلنا نضطر للحديث عن الفرق بين المؤثر والمؤشر لفهم المراد من البصمة ، فالمؤثر شيء خارجي لا علاقة له داخلياً بنص الشاعر ، كمؤثر سياسي أو اقتصادي أو قبلي أو ديني أو وطني ، أما المؤشر فهو المتصل بالإيحاء الدلالي للمفردة ، وعن طريقه تتم محاولة الدخول إلى النص الشعري لاقتناص فكرة أو اتجاه معين او التعرف على موقف فلسفي خاص بالشاعر أو الشاعرة ، وهو من الممكن ان الشاعر لم يأبه به في الدرجة الأولى, ولم يعنِهِ , لكننا نفهمه بطريقتنا من خلال اعتمادنا على إيحاءات العقل الباطني للوصول إلى رؤية معينة تختص بالشعر والشاعر في حقبة زمنية معينة من حياته .
كانت محاولة نشر فكرة هذا الموضوع ، قد فتحت لي المجال وجعلتني أتعرف على تجارب شاعرات لم يكن لهن أي حسبان حقيقة في سلم إهتماماتي ، ولو كانت الفكرة مختزنة في ذاكرتي ، وبدأت تطبيقها دون علم من أحد ، لضاعت مني تجارب شعرية جميلة ، تستحق الإهتمام مني والكتابة عنها كسكون واستقلال والهنوف ، أما بلقيس والعنود وشمس نجد فقد كنت أتابع هذه التجارب بصمت وهدوء .
العسير في هذه الدراسة أنها جديدة في نوعها ، إذ أنها لم تُطرق قبل هذه المرة ، لا في الأدب الشعبي ولا في الأدب العربي الفصيح حسب علمي وإطلاعي ، ولم أجد شيئاً في هذا المجال أقف عليه لمن سبقوني ، ليعينني على مواصلة هذا الطريق ، كما أن الدراسات في الشعر الشعبي ضحلة ، علماً بأن الشعر الشعبي يعد بكراً في هذا المجال ، وكل شيء قابل للبحث والتنقيب ، وما على الباحثين في هذا الحقل الأدبي إلا تحفيز الهمم وتشمير السواعد للبدء بخوض غمار هذا المضمار ، وهذا ما جعلني حقيقة أقاسي مقاساة شديدة ، وهو عدم وجود شيء محوري أرتكز عليه ، لهذا قمت بقراءة كل نصوص الشاعرات اللائي تقدمن بإنتاجهن ، ثم عملت على فرز نصوص كل شاعرة على حدة ، من الشاعرات اللائي وقع عليهن اختياري واقتنعت بإنتاجهن الأدبي ، وأنه سيخدم هذه الدراسة ، مركزاً على التغلغل في أجواء النصوص دون المرور العابر السريع ، انتصاراً لذائقتي وتقديراً لهذا العمل وإنصافاً للشاعرات موضوع الدراسة .
ومادام هذا العمل متصل بالشبكة العنكبوتية ، وأنه ليس هناك دواوين مطبوعة أستطيع الرجوع إليها ، لهذا سأنوه هذا التنويه ، الذي سأوجه من خلاله شكر خاص لكل من سكون واستقلال وشمس نجد وبلقيس ، حيث قامت الشاعرات الثلاثة الأوائل بإرسال أعمالهن الشعرية دفعة واحدة ، بينما اكتفت بلقيس بالتنويه إلى ديوانها الموجود في شظايا ، أما العنود و الهنوف ، فلم أجد منهما أي تعاون في هذا المجال .
قد يتبادر سؤال إلى ذهن المتلقي : لِمَ كل هذا الإهتمام بشعر الشاعرات ؟ . وهذا السؤال من الطبيعي أن يُطرح ويناقش بكل شفافية ووضوح ، باعتبار أن التمايز بين النصوص الشعرية النسائية غير واضح ، بل يميل إلى التقارب نوعاً من ما , وهذا بشكل عام تقريبًا .
وللإجابة على هذا السؤال ، من السهل الولوج إليه بيسر وسهولة ، دون عناء ومشقة ، وهو ان العدد الغالب من الشاعرات الشعبيات , وخاصة في هذه المرحلة متقاربات من حيث المشاركة بالهم الإنساني العام ، وكذلك من حيث تقارب الخطوط البيانية بين تجارب الشاعرات ، لهذا فمن الطبيعي وضع هذه الأسماء في دراسة واحدة نظراً لتقارب مستوى الأداء الشعري لديهن ، هذا أولاً . وثانياً ، محاولة لإنصاف الشاعرات في هذه الأجواء الملبدة بالغيوم ، إما من أجل تسليط الضوء على الجوانب الجيدة في تجارب الشاعرات المعنيات بالقراءة ، أو للرغبة الصادقة من كاتب هذه السطور ، وذلك بالسعي الدؤوب والحثيث على تحسين تجارب الشاعرات الأخريات ، من أجل الرقي بمستوى الحركة الشعرية النسائية قدر الإمكان ، ومن ناحية ثالثة تسليط الضوء على هذا الجانب المهمل بعمد أو بلا عمد ، وإن كنت فرداً في هذا المجال الآن ، فيمن الطبيعي أن الخير موجود في الناس ، وانه عدد لا بأس به من الكتاب والكاتبات سيواصلون المسيرة من بعدي ، وقد يتفوقون علي تفوقاً نوعياً وفريداً .
لهذا أسعى ما أمكنني ذلك ، إلى تجنب الفهم التسطيحي للشعر من خلال الشرح المباشر ، حيث سأصب اهتمامي على المفردة اللغوية أو الصورة الشعرية لدى الشاعرات , للوصول إلى المراد الذي أسعى إليه . ولا ادعي أنني متميز في هذا المجال ، وان لا أحد لديه القدرة على الإتيان بما جئت به ، بل هي محاولة تحتمل الفشل أثر من إحتمالها النجاح ، لهذا سأسعى جاهداً للوصول بهذه الدراسة إلى الغاية المنشودة لها ، ما أمكنني ذلك ، والله ولي التوفيق فيما نقول ونفعل .
وقبل الإنتهاء من هذا الكلام للدخول إلى الدراسة ، وتناول تجربة كل شاعرة على حدة ، أود التوقف هنا ، عند علاقة الشاعرة مع الشعر من حيث التعاطي فيما يخص هذا الجانب .
إن محاولة بعض الشاعرات كسكون وشمس نجد وبلقيس للمزج بين المحبوب والشعر ، الذي يعتبر صناعتهن الأدبية التي عن طريقها يخاطبن الناس , ويتحدثن بها عن ذواتهن , ما هي إلا محاولة لمزج الإثنين في واحد ، أي أن كل شاعرة منهن قادرة على ابتكار قصيدتها وبعثها لنا من عالم العدم ، تريد أن تُمنّي نفسها بإمكانية خلق الرجل الذي تريد ، أو أنها تسعى لرسم الملامح الفيزيائية للحب بنفس الطريقة التي تتعامل معها في كتابتها للنص الشعري . فحينما تجد المرأة الشاعرة الصعوبة في التحكم أو تملك المحبوب ، أو تشعر بعدم مقدرتها على إمكانية رسم صورة المحبوب بالطريقة التي تريد ، تلجأ للشعر كتعويض نفسي بالدرجة الأولى ، لأنه – أي الشعر – هو الأداة الطيعة في يدها ، لهذا تحاول من خلاله رسم صورة المحبوب المختزنة في مخيلتها ، بعد أن أعوزها الواقع والمحبوب نفسه بعدم الإنسياق معها لِماَ تريد .
وعلى هذا فالشاعرة تحاول خلق حالة من التوازن بين الداخل النفسي المتمثل بالشعر ، والخارج المادي المتمثل بالمحبوب , وهذا الإجراء متنفس للشاعرة بسبب إحساسها بالضعف والتشرد الذهني .
وقد تكون هناك نظرة أخرى لا علاقة لها بما سبق ، إذ يكون من الممكن أن الشعر محبوب آخر ، لكنه محبوب معنوي مجرد ، لهذا تتغزل به الشاعرة وتتغنى به وفق ما تريد .
... وقبل الدخول لموضوع الدراسة , وتناول شعر كل شاعرة على حدة , أسأل الله سبحانه وتعالى أن يكتب لي التوفيق فيما أقول وأفعل , إنه وليّ ذلك وهو القادر عليه .

محمد مهاوش الظفيري
11-25-2009, 02:51 PM
[quote=محمد مهاوش الظفيري;1120]صورة الرجل في شعر المرأة عدد من الشاعرات إنموذجاً











- الهدف من الدراسة









الحديث عن الموت ، سواء في أحضان المحبوب أو في حال فقدانه كما عند الهنوف بنت خالد على سبيل المثل يمثل موقفاً فلسفياً قائماً على النظرة الوجودية للحياة والإنسان ، ويقل هذا الهاجس الإنساني أو يتحول إلى حالة أخرى كما عند بلقيس إلى بكاء ودموع ، وهذا سببه الخوف من الضياع وخشية الفراق أو استمرارية الفراق ، والإحساس من طغيان الشعور بالسأم والحزن . قد تكون صورة الرجل في هذه النصوص غير حقيقية بالمفهوم العام للأشياء , أو أن الشاعرة غير دقيقة في تصويرها لنا , لكن مشاعرها المنفلتة كما في الحديث عن الخيانة أو المكبوتة الراغبة برسم صورة تأطيرية للرجل ، هو ما يلون لها الأشياء من حولها , ويمنح مكونات الطبيعة الإضاءة الشعرية التي تسعى إليها هذه الشاعرة أو تلك , فالحديث عن البكاء أو الموت في الحب أعلى درجات الحب ، وهو التجلي في حضرة المحبوب عن طريق الإنغماس باللحظة العاطفية ، للوصول لدرجة الإنتشاء والصعود الوجداني المتدافع لبلوغ أو تمني النشوة المرجوة من حرارة اللقاء . والموت العاطفي عشقاً وغراماً مشابه للذوبان والتلاشي والغياب والإستغراق في جماليات اللحظة الوجدانية , لبلوغ الغيبوبة العاطفية , وهي سكرة من سكرات الموت العاطفي الوجداني الغارق في ملكوت الحب .
ليس المراد من هذه الدراسة ، عكس صورة توثيقية للمحبوب في نظر الشاعرات ، فهذا الأسلوب من القراءات سهل التناول ، ومن الممكن أن يقوم به أي كاتب آخر ، لأنه يعتمد على مجموعة صور أو عدد من اللقطات التي يتم التقاطها بيسر وسهولة ، ثم وضعها فيما بعد في سياق معين تسمى قراءة ، ولأنني اعتمد في كتاباتي النقدية على المؤشر اللغوي لا المؤثر اللغوي ، لأن المؤشر اللغوي متعلق بالدلالة اللفظية للكلمات , بينما المؤثر , هو مؤثر خارجي كمؤثر سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو ديني ، وهذا التوجه من التناول الأدبي لا أرغب به ولا أتحمس له . لهذا فأنا في هذه الدراسة سأركز على اقتناص الزوايا الخفية لاكتشاف مدى تأزم الموقف الإنساني بين الشاعرة كأنثى عاشقة وبين الرجل كمحبوب لهذه المرأة ، معتمداً على إمكانية تلمس مفتاح هذه العلاقة لأتمكن من خلاله النفوذ إلى عالم المرأة الشاعرة , للملمة خيوط العلاقة الإنسانية بينها وبين الرجل كمحبوب أو كإنسان خائن وغدار ، كما هو الحال عن العنود بشكل مكشوف ، وعند الهنوف بنت خالد بدرجة أقل ، وعند استقلال كذلك ، بينما تقل هذه النبرة إلى درجة شبه الإنعدام كما عند بلقيس وسكون وشمس نجد .
صورة الرجل في شعر المرأة مرتبطة بالحب , أو الموقف الإنساني الوجداني من خلال النظر له كمحبوب , ومحاولة هذه الشاعرة أو تلك اقتناص الموقف الإنساني الذاتي الخاص بها ، تجاه هذا الرجل المحبوب ، وعلى هذا الأساس قد يختلط هذا الموقف بالحب ، حيث من الإمكان الحديث عن الحالتين باعتبارهما حالة واحدة , من أجل تخليص القراءة من الوقوع بإشكالية الوقوع بأزمة البحث عن مصطلح .
النظرة الذاتية التي تتعلق بموقف المرأة من الرجل ، لن تتغير ، لكن من الممكن أن تتطور حسب تراكم الخبرات وتقادم سنين التجربة الشعرية ، لأنها أشبه بالبصمة ، إلا ما ندر من بعض التصرفات أو المواقف الشاذة التي تؤكد ثبوت القاعدة . فالشعر بصمة روحية لا يمكن أن يتخلى الإنسان عن بصمته ، لكن من الممكن تطويرها ، والزمن كفيل إما بإبراز هذه البصمة بوضوح أو كفيل بضمورها . وهذا الحديث عن البصمة يجعلنا نضطر للحديث عن الفرق بين المؤثر والمؤشر لفهم المراد من البصمة ، فالمؤثر شيء خارجي لا علاقة له داخلياً بنص الشاعر ، كمؤثر سياسي أو اقتصادي أو قبلي أو ديني أو وطني ، أما المؤشر فهو المتصل بالإيحاء الدلالي للمفردة ، وعن طريقه تتم محاولة الدخول إلى النص الشعري لاقتناص فكرة أو اتجاه معين او التعرف على موقف فلسفي خاص بالشاعر أو الشاعرة ، وهو من الممكن ان الشاعر لم يأبه به في الدرجة الأولى, ولم يعنِهِ , لكننا نفهمه بطريقتنا من خلال اعتمادنا على إيحاءات العقل الباطني للوصول إلى رؤية معينة تختص بالشعر والشاعر في حقبة زمنية معينة من حياته .
كانت محاولة نشر فكرة هذا الموضوع ، قد فتحت لي المجال وجعلتني أتعرف على تجارب شاعرات لم يكن لهن أي حسبان حقيقة في سلم إهتماماتي ، ولو كانت الفكرة مختزنة في ذاكرتي ، وبدأت تطبيقها دون علم من أحد ، لضاعت مني تجارب شعرية جميلة ، تستحق الإهتمام مني والكتابة عنها كسكون واستقلال والهنوف ، أما بلقيس والعنود وشمس نجد فقد كنت أتابع هذه التجارب بصمت وهدوء .
العسير في هذه الدراسة أنها جديدة في نوعها ، إذ أنها لم تُطرق قبل هذه المرة ، لا في الأدب الشعبي ولا في الأدب العربي الفصيح حسب علمي وإطلاعي ، ولم أجد شيئاً في هذا المجال أقف عليه لمن سبقوني ، ليعينني على مواصلة هذا الطريق ، كما أن الدراسات في الشعر الشعبي ضحلة ، علماً بأن الشعر الشعبي يعد بكراً في هذا المجال ، وكل شيء قابل للبحث والتنقيب ، وما على الباحثين في هذا الحقل الأدبي إلا تحفيز الهمم وتشمير السواعد للبدء بخوض غمار هذا المضمار ، وهذا ما جعلني حقيقة أقاسي مقاساة شديدة ، وهو عدم وجود شيء محوري أرتكز عليه ، لهذا قمت بقراءة كل نصوص الشاعرات اللائي تقدمن بإنتاجهن ، ثم عملت على فرز نصوص كل شاعرة على حدة ، من الشاعرات اللائي وقع عليهن اختياري واقتنعت بإنتاجهن الأدبي ، وأنه سيخدم هذه الدراسة ، مركزاً على التغلغل في أجواء النصوص دون المرور العابر السريع ، انتصاراً لذائقتي وتقديراً لهذا العمل وإنصافاً للشاعرات موضوع الدراسة .
ومادام هذا العمل متصل بالشبكة العنكبوتية ، وأنه ليس هناك دواوين مطبوعة أستطيع الرجوع إليها ، لهذا سأنوه هذا التنويه ، الذي سأوجه من خلاله شكر خاص لكل من سكون واستقلال وشمس نجد وبلقيس ، حيث قامت الشاعرات الثلاثة الأوائل بإرسال أعمالهن الشعرية دفعة واحدة ، بينما اكتفت بلقيس بالتنويه إلى ديوانها الموجود في شظايا ، أما العنود و الهنوف ، فلم أجد منهما أي تعاون في هذا المجال .
قد يتبادر سؤال إلى ذهن المتلقي : لِمَ كل هذا الإهتمام بشعر الشاعرات ؟ . وهذا السؤال من الطبيعي أن يُطرح ويناقش بكل شفافية ووضوح ، باعتبار أن التمايز بين النصوص الشعرية النسائية غير واضح ، بل يميل إلى التقارب نوعاً من ما , وهذا بشكل عام تقريبًا .
وللإجابة على هذا السؤال ، من السهل الولوج إليه بيسر وسهولة ، دون عناء ومشقة ، وهو ان العدد الغالب من الشاعرات الشعبيات , وخاصة في هذه المرحلة متقاربات من حيث المشاركة بالهم الإنساني العام ، وكذلك من حيث تقارب الخطوط البيانية بين تجارب الشاعرات ، لهذا فمن الطبيعي وضع هذه الأسماء في دراسة واحدة نظراً لتقارب مستوى الأداء الشعري لديهن ، هذا أولاً . وثانياً ، محاولة لإنصاف الشاعرات في هذه الأجواء الملبدة بالغيوم ، إما من أجل تسليط الضوء على الجوانب الجيدة في تجارب الشاعرات المعنيات بالقراءة ، أو للرغبة الصادقة من كاتب هذه السطور ، وذلك بالسعي الدؤوب والحثيث على تحسين تجارب الشاعرات الأخريات ، من أجل الرقي بمستوى الحركة الشعرية النسائية قدر الإمكان ، ومن ناحية ثالثة تسليط الضوء على هذا الجانب المهمل بعمد أو بلا عمد ، وإن كنت فرداً في هذا المجال الآن ، فيمن الطبيعي أن الخير موجود في الناس ، وانه عدد لا بأس به من الكتاب والكاتبات سيواصلون المسيرة من بعدي ، وقد يتفوقون علي تفوقاً نوعياً وفريداً .
لهذا أسعى ما أمكنني ذلك ، إلى تجنب الفهم التسطيحي للشعر من خلال الشرح المباشر ، حيث سأصب اهتمامي على المفردة اللغوية أو الصورة الشعرية لدى الشاعرات , للوصول إلى المراد الذي أسعى إليه . ولا ادعي أنني متميز في هذا المجال ، وان لا أحد لديه القدرة على الإتيان بما جئت به ، بل هي محاولة تحتمل الفشل أثر من إحتمالها النجاح ، لهذا سأسعى جاهداً للوصول بهذه الدراسة إلى الغاية المنشودة لها ، ما أمكنني ذلك ، والله ولي التوفيق فيما نقول ونفعل .
وقبل الإنتهاء من هذا الكلام للدخول إلى الدراسة ، وتناول تجربة كل شاعرة على حدة ، أود التوقف هنا ، عند علاقة الشاعرة مع الشعر من حيث التعاطي فيما يخص هذا الجانب .
إن محاولة بعض الشاعرات كسكون وشمس نجد وبلقيس للمزج بين المحبوب والشعر ، الذي يعتبر صناعتهن الأدبية التي عن طريقها يخاطبن الناس , ويتحدثن بها عن ذواتهن , ما هي إلا محاولة لمزج الإثنين في واحد ، أي أن كل شاعرة منهن قادرة على ابتكار قصيدتها وبعثها لنا من عالم العدم ، تريد أن تُمنّي نفسها بإمكانية خلق الرجل الذي تريد ، أو أنها تسعى لرسم الملامح الفيزيائية للحب بنفس الطريقة التي تتعامل معها في كتابتها للنص الشعري . فحينما تجد المرأة الشاعرة الصعوبة في التحكم أو تملك المحبوب ، أو تشعر بعدم مقدرتها على إمكانية رسم صورة المحبوب بالطريقة التي تريد ، تلجأ للشعر كتعويض نفسي بالدرجة الأولى ، لأنه – أي الشعر – هو الأداة الطيعة في يدها ، لهذا تحاول من خلاله رسم صورة المحبوب المختزنة في مخيلتها ، بعد أن أعوزها الواقع والمحبوب نفسه بعدم الإنسياق معها لِماَ تريد .
وعلى هذا فالشاعرة تحاول خلق حالة من التوازن بين الداخل النفسي المتمثل بالشعر ، والخارج المادي المتمثل بالمحبوب , وهذا الإجراء متنفس للشاعرة بسبب إحساسها بالضعف والتشرد الذهني .
وقد تكون هناك نظرة أخرى لا علاقة لها بما سبق ، إذ يكون من الممكن أن الشعر محبوب آخر ، لكنه محبوب معنوي مجرد ، لهذا تتغزل به الشاعرة وتتغنى به وفق ما تريد .
... وقبل الدخول لموضوع الدراسة , وتناول شعر كل شاعرة على حدة , أسأل الله سبحانه وتعالى أن يكتب لي التوفيق فيما أقول وأفعل , إنه وليّ ذلك وهو القادر عليه .








- سكون




من أكثر التجارب الشعرية النسائية التي راقت لي ، تجربة هذه الشاعرة ، التي مزجت الحب بالتمني ونظرت إلى الرجل من خلال هاجس الحلم ، بما في هذا الحلم من استغراق عاطفي يتجاوز بنا مرحلة الإحساس الإنساني العام بمفهومه المؤطر الثابت في أذهاننا كمتلقين .
لم أكن منتبهاً لهذه الشاعرة قبل هذه المرة ، وكم كانت هذه الإنسانة لديها من الشجاعة الأدبية القدر الكافي الذي أهلني للتعرف على تجربتها الشعرية عن كثب ، هي والشاعرة استقلال الزامل حيث دفعتني كل واحدة منهما للنظر إلى أفق العلاقة الإنسانية بين الشاعرة كامرأة وكأنثى !! وبين الرجل كمحبوب وكعاشق لهذه الإنسانة .

كثر شوقي لك / يخالطني شعور
.......... إنك اللى ترتكبنى ع الورق

في هذا البيت محاولة لصهر المعشوق بمزيج من الكلمات الشاعرية المغموسة بالدفاتر ، ليكون ساكناً في وجدانها سكون الشعر بين السطور ، ومتجلياً بين الدفاتر في كل مرة تفكر فيها الشاهر أن تمارس هذا السلوك الشعري ، إنها هنا تمنحنا صورة جميلة للرجل تتجاوز الفهم الذهني للأشياء بشكل مسبق ، أي أنه يشابه الشعر ، أو لعله هو الشعر الذي تريد ، وهي في هذا التصور ، دليل على أن المشهد العاطفي طوع يمينها ، أو هكذا تحلم أن يكون معها الموقف الإنساني العاطفي الغارق في التخيل ، راجية أن يكون الشعر عالمها الخاص الدافئ الذي يمنحها متعة الإستسلام للحلم ، لهذا فهي تريد من الرجل أن يكون لها بمثابة الكون الواسع المتسع والضيق في نفس اللحظة ، باعتبار أن " الورق " فضاء مزدوج ، كبير في عطائه رغم صغره المعروف .

استحالة تجمعك بعض السطور
.......... واستحالة ينثرك نوّن .. برق

الحلم الذي يأتينا من العدم ، ويذهب من بين أيدينا إلى المجهول حاله كحال العاشق عند الشاعرة سكون ، الذي لا تستطيع التحكم به في كثير من الأحيان ، لهذا تحاول ارتكابه على الورق من خلال الشعر ، ففي كل مرة يفلت منها العاشق , تصطاده على الورق , لهذا تلجأ إلى الشعر ، عالمها الخاص ووجودها الذي من الممكن التحكم به لخلق هذه الحالة المفقودة من أجل الشعور بالإتزان النفسي قبل كل شيء .
حينما تنساق الشاعرة وراء سياقات الموقف الإنساني العاطفي الخاص بها ، تصل إلى قناعة مفادها ان هذا المعشوق صعب المراس ، غير ممكن الترويض ، لهذا تعلن الشاعرة حالة الاستحالة التي توصلت إليها ، أي أنه لا الأرض قادرة على إنباته لها " تجمعك بعض السطور " لأنها مرتبطة بالإنسان الساكن فوق الأرض ، ولا دعوات السماء لديها القدرة على إنزاله إليها من ملكوته العلوي . إنه صعب المراس في بعض الأحيان أو في كثير من هذه الأحيان ، فهو شحيح كالمطر الذي لا يهطل إلا متى يشاء , لا متى تشاء الأرض ، أو يتمنى الناس .
إن هذا الشعور بالإستحالة محرض عنيف على الحلم بحياة جديدة وفضاء أكثر رحابة ، خالٍ من الهموم .

عرق يزداد في كفي / على وجهي بريق ألماس
.......... وصوتي غير مدركني .. تخلى زاد إزرائي
إنها تتلمس النجاة بالشعر من حالتها الشعورية ، لخلق نوع من الإتزان النفسي ، غير أن ذلك الكائن الجميل ، المعروف بالشعر ، والذي استعاضت عنه الشاعرة بمفردة " صوتي " لازال عصيّ المنال غير مطيع لها ، أو لعله لا يستطيع الإحاطة بما تشعر أو تحلم به ، لرسم حالتها الشعورية ، كما وضحت هي بقولها " وصوتي غير مدركني " لأن هاجس الإستغراق بالحلم كعاطفة إنسانية أقوى من مجرد التفكير برسم ما تحس به على الورق .
تقول الشاعرة سكون في نص آخر
لأني غاضبة جداً
ثم تقول
ولأني / متعبة / جداً
وتقول كذلك
ولأني ضامية / جداً
ثم تقول ضمن هذا السياق إنها في الوقت الذي تسوق لنا كل هذه المبررات على الجيب ، غير أننا لا نسمع منها ما نسمعه من بعض الشاعرات اللائي ينقلبن إلى وحوش كاسرة , تشتم وتسب وتلعن كل من يقف في طريقها . إنها هنا تلتقي بالشاعر المبدع سعد الحريص الذي قال
وترا اللي حب ما يكره
إنها تختلف عن أخواتها الشاعرات في هذا المجال . فهي تريد الهروب منه مرة ، وفي المرة الأخرى تتمنى هجرانه ، وفي المرة الثالثة تريد إحتوائه والتهامه بكل ما فيه من عيوب ومزايا وخصال وتناديه ليأتيها ، ولأنها مرهقة جداً ، فهي تريد الإرتماء في أحضانه , وأخذ إغفاءة عاشقة بين يديه , بعيداً عن كل هذا العالم ، وهذا هو منتهى الإستغراق في الحلم .
إنني ألمس حقيقة في هذا النص أنثى تحترم أنوثتها ، وتتعامل مع مشاعرها من خلال سياقاتها الخاصة ، بعيداً عن أي تداعيات إجتماعية مزمنة . لهذا كان الإنسياق وراء الحلم أجمل من الجري وراء الحقيقة ، ومادامت أن القصيدة أو كتابة النص الشعري أشبه بالحلم ، فالشاعرة تتعاطي مع هذا الموقف الإنساني إنطلاقاً من هذا السياق بشكل أكثر إلتصاقاً .

من هجوس الذاكرة والليل وستار الظلام
.......... للحديث العذب وأنصاف القوافي المهملة
روح تسري من فراش يشتكى عسر المنام
.......... للرفيق اللي عطاه بكل شيء أجملة
هنا تخلط الشاعرة ملامح الرجل ، أو تمزجه على أدق تعبير بمكونات الروح في الطبيعة ، حيث تتداخل ملامح العاشق بمكونات روحها من ذاكرة وكلام مبطن لا يُفهم إلا في ظروف معينة " ستار الظلام " إلى حديث عذب وشعر جميل , استعاضت عنه الشاعرة بـ " أنصاف القوافي " إلى السهر القاتل الممل " يشتكى عسر المنام " ممزوجة هذه المكونات الروحية بـ " الليل " كسكون طبيعي يختبئ تحت جناحه كل هذه الأشياء . إنها حقيقة تحاول أن تعكس لنا صورة شفافة رقراقة لا تُرى بالعين المجردة – كما يقال – ولا يمكن أن تلمسها كل المشاعر ، إلا تلك التي تتداخل وتلتقي مع هذه الروح الشاعرية الشعرية الفاتنة الآسرة .
هنا نلاحظ أنها تلوذ بالشعر كمولد شعوري لها , يحفظ عندها التوازن الذي تفتقده في إمكانية الإلمام بذلك المشهد الضائع من تلك الصورة الجميلة للعاشق المحبوب ، حيث تلجأ للشعر في هذا النص أكثر من مرة , إذ ذهبت إليه باعتبار انه قوالب شعرية ثابتة " أنصاف القوافي " وفي مرة على إستحياء ، أو مرت عليه مرور الكرام ، حينما وصفته بالصوت ، حينما قالت " تستعيد الصوت حلم .. " وفي مرة ثالثة ، عندما تقول

رتبى باقة حنينك في عيون المستهام
.......... واغزلي باقي قصيدك بين تغريد ووله
دام هذا الليل صامت والخلايق به نيام
.......... سمّعى هالريح صوتك بلكي إنه يوصله
هذا الإلتجاء للشعر محاولة من الشاعرة لتعويض النقص المادي الذي تشعر به , من خلال صعوبة الإحاطة أو تطويق ذلك العاشق ، لهذا فهي تشعر بأن الشعر هو سلاحها وهو عالمها الداخلي الخاص بها ، لذا تحاول تعويض ذلك الفراغ المادي ، بهذا التوظيف النفسي لتلك الصورة الكامنة في ذاتها ، حيث تتجه إلى الشعر ليحفظ لها التوازن بين الشعر والحب " تغريد ووله " في محاولة منها لجعل الريح ، صوتها الذي ترسله إلى من تريد .
وفي عودة بسيطة لبداية البيت الأول " الذاكرة – الليل – ستار – الظلام " يتبلور معنا الحلم العاطفي بالوصول إلى إشباع لذات الجسد " فراش " متذكرة كل مزايا هذا الحبيب " اللي عطاه بكل شيء أجمله " فهي تستحضر الحلم كمشروع إنساني وجداني , عن طريق اللجوء إلى القصيدة ، وإرتكابها شعراً ، لكننا في المقابل نفهم من هذا السياق الإجرائي بشكل أكثر دقة , جنوح الشاعرة إلى الإرتماء في أحضان الليل من أجل تحفيز كل كوامن التخيل عن طريق " هجوس الذاكرة " الدالة على الحلم بمفهومه الواضح الذي لا لبس فيه .

تبيني أشبهك أكثر / تعال وشوفني من جد
.......... أغيث من الغلا وأمطر أبلل غصن يباسي

في هذه الصورة التقاطة ذكية لمشهد مقلوب " تبيني أشبهك " لأنه مرتكز على هاجس الحلم المتعلق بالغيبيات ، وذلك عن طريق إنقلاب المشهد التصويري للأشياء ، أو لعل هذا البيت جاء كتوطئة للبيت الذي سيتم الحديث عنه . ففي هذا البيت الذي بين أيدينا ، وفي النص ككل لمن أراد الرجوع إليه ، تتداخل الصورة لتمتزج بكل شيء جميل ، حيث كانت القصيدة مجموعة من تكرار مفردة " الـ " مثل " الدالة على التشبيه التي تكررت في هذا النص أكثر من مرة ، لهذا تختلط صورة المعشوق بالحلم ، الذي يعتبر مفتاح العلاقة الإنسانية للشاعرة ، في محاولتنا التعرف من خلالها على صورة الرجل في شعر هذه الشاعرة .

تعيش بعالمي حلم يطول قامتي ما أنلد
.......... حقيقة حلم يسعدني ويكبر بالحلم راسي
مادام هذا العاشق اختلطت ملامحه بالحلم ، والأحلام لها سلطانها الآسر على النفوس ، تتواصل الشاعرة سكون في مسلسل الإستسلام الطوعي له في هذا السياق الشعري بشكل خاص ، ومن خلال السياقات الشعرية العامة لهذه الشاعرة بشكل أكثر شمولية .

تسلطن يا بعد كل الحقيقة / والأمل / والوعد
.......... تسلطن دامي دنيا بروحك دقت أجراسي
إن هذا الشعور التواصلي الذي تحياه الشاعرة كحلم , يتواصل معها ويستمر في قرع أجراس الحياة لديها ، لأنه أفضل من الحقيقة أو الإنسياق وراء الأمل والوعود ، باعتبار أن الحلم بحد ذاته بالنسبة للشاعرة , هو المبتغى من خصوصية العلاقة الإنسانية بينها بين الرجل كعاشق ومحبوب .
أمام هذا الحلم العذب الذي ارتسم في وجدانها وتمركز في مخيلتها , عن ذلك العاشق المعشوق ، لهذا ارتأت الشاعرة أن الحقيقة في هذا السياق غير مجدية ، لأن الإرتماء في أحضان الأحلام أجمل من التفكير بالواقع في نظر الشاعرة .

والقصايد لو حكت بعض الأمور
.......... نصها أحلام وأكثرها ... ارق

هنا تتعامل الشاعرة مع القصيدة ، والحلم بشكل مباشر ، لا لبس فيه ، أو أي محاولة نقوم بها للتوصل إلى مراد الشاعرة ، أي أن الشعر لديها محاولة للحلم ، والحلم مشروع تصور إنساني عاطفي . وهذا الفرق بين سكون وبلقيس من حيث التعامل مع النص الشعري داخل القصيدة ، إذ أن سكون تتعامل مع القصيدة كمشروع للحلم ، وحالة للإستغراق في ذلك الحلم ، بينما الشاعرة بلقيس تتعامل معه باعتبار أنه متنفس لعسر واقعها المعاش ، أو عدم مقدرتها التعبير عما تريد من الحالة العاطفية التي تعيشها ، لهذا تلجأ إلى الدخول إلى النص الشعري من بوابة الشعر كملاذ فني آمن لها ، وسوف يأتي الحديث عن شعر بلقيس فيما بعد .
إن القصائد والأحلام عنصران مهمان يرفدان التصوير الذهني عند الشاعرة سكون حول هذا المجال ، وهو الإستغراق في الحديث عن الحالة الإنسانية التي تعيشها مع المعشوق ، وهذا المسلك يمكن الشاعرة من عبور الخط الفاصل بين الأشياء للوصول إلى الضفة الأخرى . فالقصيدة بالنسبة للشاعرة حلم تعبر من خلاله واقعها , وتتجاوز بها همومها الذاتية التي تكبلها وتمنعها من التحرك نحو ما تريد بعفوية ، بينما الأحلام في المقابل تعتبر بمثابة النافذة التي تطل بها ، وعن طريقها إلى عالمها المخملي ، لوضع تصورها لمستوى العلاقة الإنسانية بينها وبين المحبوب .

تعال وأحكم من عطى حقك لغيرك في السياق
.......... تعال .. واحلومي سفر , استعذبت هم الطريق
ذكرى .. تبرر لك سلف آهه ولوعة واشتياق
.......... ذكرى .. وأظنك لو تمر, يظهر على حرفي بريق

إن هذين البيتين استغراق متواصل مع الحلم ودليل على إستمرارية الحياة ، وتداول للزمن عن طريق التحرك ضمن المشهد الإنساني العاطفي للشاعرة ، فالإنطلاق من السياق كمقدمة لبدء مرحلة الحياة والتواصل الإنساني مع الآخر ، ثم تلك الأجواء المرتبطة بالسفر والطريق ، وكل هذه الشواهد إيحاء أدخلته الشاعرة ضمن هذا السياق الشعري, للتدليل على حتمية تواصل الحياة ، واستمرارية مسيرة العمر .
الحلم ، هو الخيط الرفيع الذي يربط علاقة الشاعرة بالمحبوب ، لأنها عن طريقه تستطيع الإتكاء على عنصر التخيل في هذا الجانب ، ويمكنها الوصول إليه بأيسر الطرق ، معتمدة على ما لديها من أدوات لغوية تمكنها من تحقيق ما تحلم به ، لهذا كان الإنقياد وراء هاجس الذكرى كمحصلة روحية من محصلات الحلم ، ومسلك تنتهجه الشاعرة في سبيل الحصول عليه والوصول إليه ، لكن بطريقتها الخاصة ، في محاولة منها لمزج اللوعة وحرارة الآه ولهيب الإشتياق ضمن هذا السياق التخيلي الحالم ، وهي في هذا الإجراء الشعري الذي اتخذته ، تظهر ملامح الإتكاء الذي لمسناه في العديد من نصوص الشاعرة ، أقول تظهر ملامح ذلك الإتكاء باعتبار أن القصيدة مشروع لحلم تقوم الشاعرة من خلاله بمجاراة للسياق النفسي العام الذي تشعر به , عن طريق تعاطيها مع صورة الرجل الذهنية الكامنة في وجدانها والمنعكسة في نفس الوقت على مخيلتها .

إن سألتك قلت ذي شخص لحوح
.......... إن جفيتك من على بالي طرق
في هذا الكلام انكسار أنثوي أمام سطوة الرجل كرجل ، قبل ان يكون عاشقاً في الدرجة الأولى ، وفيه كذلك سمو في المشاعر الإنسانية ، وعدم الإبتذال الغرامي الذي من خلال تعرض بعض الشاعرات أنفسهن للتمتع والشعور بموقف الشيء المباع كالبضاعة لإغاضة معشوقها الأول .
لكننا نلمح من خلال هذا السياق ، أنها تتلذذ بالإسترخاء في عالم الحلم والخيال " من على بابى طرق " باعتبار أن الحلم مشروع إنساني للتواصل مع الجنس الآخر ، وهو الرجل المحبوب ، الذي تستمتع بالعيش معه في عالم الأحلام والأخيلة ، قبل أن يكون واقعاً معاشاً لها . لهذا كان من الطبيعي أن تشعر بهذا الموقف المتمرجح على أرض الواقع " إن سألتك " فهذا السؤال المبدوء بجملة شرطية ، هو ما دفعها إلى الشعور بشيء من تأنيب الضمير " قلت ذي شخص لحوح " لأن الإستغراق في الحلم هو غايتها لا التعايش المباشر مع الواقع ، بما في هذا الواقع من تناقضات وإنعكاسات كما أوضحتها الشاعرة في هذا البيت المبدوء بكلا شطريه , بجملة شرطية كدليل جليّ على سيطرة حالة القلق لديها أثناء تعاطيها مع الواقع بشكل مباشر ، لأنها تجد لذتها في الحلم ، والإستغراق في عالم الأحلام .
بعد هذه الجولة في قصائد الشاعرة سكون ومحاولتنا اقتناص زوايا الرؤية المتعلقة بالرجل ، معتمدين على هاجس الحلم كمحفز للحياة ، وكمحرض على توجيه الشعور الإنساني المتصل بعلاقتها الخاصة بالرجل كعاشق بالدرجة الأولى ، يجدر بنا هنا التنويه إلى أنها تلتقي مع شاعرة أخرى ، لكن من زاوية أخرى ، وهي الشاعرة استقلال الزامل ، مع وجود خيط رفيع يفصل بين الإثنين كما سيمر معنا أثناء الحديث عن تجربة الشاعرة استقلال الزامل ، وهو أن حلم الشاعرة سكون مرتبط بالتخيل والعقل ، بينما تمني الشاعرة استقلال الزامل مرتبط برغبات النفس ، في الوقت الذي تشترك كلا الشاعرتين بهاجس التطلع الروحي ، لأن الروح كأداة فاعلة ، هي المحرك لمكونات النفس وطاقات التخيل

محمد مهاوش الظفيري
11-25-2009, 02:52 PM
استقلال الزامل







يقول الشاعر الجميل سعد الحريص

تغيب شمس وتشرق شمس
وبكره لو يجي بكره يصبح أمس
مثل ما كان في يوم من أيامنا بكره
وترا اللى حب ما يكره
هذا السياق التفاعلي مع الموقف الإنساني للحالة العاطفية ، أصبحنا لا نلمسها في العديد من نصوص شعراء هذا الجيل ، سواء الشعراء الرجال أو الشاعرات النساء ، لأن العديد منهم أصبح يتعامل مع هذا الموقف الإنساني , كإفراز مادي لعلاقات إجتماعية هشة ، لا تقف على أرضية صلبة .
هذا الموقف الذي وقّعه الحريص في هذا الكلام السابق ، أكاد ألمسه بشيء من الوضوح ، ولكن ليس على إطلاقه عند الشاعرة استقلال ، التي تتعامل غالباً مع هذا الموقف بشيء من الحساسية المفرطة , التي تمنح هذا المشهد شيئاً من المرونة الإنسانية البعيدة عن التشنج .
تقول استقلال الزامل ، ضمن هذا السياق


ف المحبة
لا تكابر
لا تذل اللي تحبه
وتنتظر يرجع كسير

هذا المشهد العاطفي مشهد إنساني مقلوب عما تعودناه في مثل هذه الأجواء . ففي هذا الجو لغة التمني والترجي التي تسيطر على الروح العامة للموقف العاطفي المتصل بالرجل ، من كون الشاعر بالأساس أنثى ، ومهما حاولت الأنثى أن تبقى قوية ، من خلال قولها " وتنتظر يرجع كسير " إلا أن الهاجس العام للمشهد النصي الماثل بين أيدينا , يشعرنا بمدى ضعف هذه الأنثى في مثل هذه الظروف ، لأنها وكما قالت عن نفسها قبل هذا الكلام .

انتظرتك
في محطاتي وحيدة
بعد ما ملني انتظاري
وطارت أسراب الصبر
والعمر ... راح وسبقني
يا قساته هالعمر
ما ينتظر
فبسبب تراكم السنين من حولها ، وأمامها على صعيد المشهد الحياتي ، تلوذ الشاعرة بالتمني وتتمسك بالرجاء ، والإستعطاف العاطفي ، لأن هذه العوامل هي مفاتيح العلاقة الإنسانية بينها وبين الرجل / المحبوب ، ولاسيما عنصر التمني المرتبط بنوازع النفس ورغباتها ، إن نظرتها للسنين وهي تجري أمامها ، كما تقول " والعمر ... راح وسبقنى " يجعلها تتمسك بالتمنى لأنه الملاذ النفسي لها ، الذي سيحفظ لها التوازن الروحي مع هذا الإنسان , لأن ليس لديها ما تقدمه غير هذا الكم الجميل من الأحاسيس الإنسانية الفياضة ، هذا التمني المرتبط بشيء من التوسل العاطفي والإستعطاف الإنساني ، بعيداً عن صخب الشابات المغترات بأعمارهن الزاهية وسنينهن النادية والطرية ، تحاول الشاعرة مد هذا الموقف بكم من المشاعر الإنسانية أكثر من التدليل على المواقف . فهذا الجو المشبع بالهدوء المسكون بالخوف ، نراه في أغلب نصوص الشاعرة ، مهما اختلفت الظروف المتعلقة بالنص .
الشعور بالإهتزاز النفسي من الحياة ، جعلها تتعامل مع المحبوب بحذر لا يمكن عليها مقاومته داخلياً ، لهذا ظل يلازمها كظلها ، فهي عندما تصرح بالحب والهيام ، لا تجد ما تصفه به إلا من خلال قولها

وكثر ما يجبرك طيفك
تخالف مواعيدي
كلما تواعدني
هذا الحذر جعلها تتعامل مع مسألة إخلاف المحبوب للمواعيد بشيء من المحايدة ، والإحساس الحذر ، وكأنها شاهد عيان على وضع قائم .

ويلبسني الفرح
لما يمر طاريك
من يجاريك
يا عشق سكن فيني
ملك حسي ،،
في ذاكرة عيني
وأحبك ،،
وأعشقك ،، وأكثر
وبك أكبر ،، على همي
يا اسم مزروع في دمي
هذا الإستغراق في ألم الحب من حيث الإستمتاع باللذة ، لا الإندماج من جهة الشعور الإنساني ، والكتابة عن نفسها إلى نفسها ، متمنية استمرار هذا الهاجس ، هاجس الألم ، والتعايش اللذيذ معه ، كونه محصلة لعواطف إنسانية ممتدة ومتصلة ، تتجاوز مسألة الموقف الآني الإنفعالي , من موقف النظر إلى العلاقة الإنسانية مع الرجل كعاشق ومحبوب .
إن العاشق لديها ليس بذلك الرجل الشرقي المتسلط ، بل هو فرح وعشق ملك عليها كل ذرات جسمها ، وانغمس في أدق تفاصيل حياتها إنطلاقاً من انصهاره في ذاكرتها إلى جريانه بين شرايينها . وهذا الموقف الإنساني الممتد إلى الداخل , هو ما جعلها في حالة الغضب تلجأ إلى الإسترخاء العاطفي , أو الشعور بشيء من التعب , لكنه تعب لم يجرفها عن خطها الإنساني العاطفي ، ولم يجعلها تنساق وراء تداعيات لا علاقة لها بالموقف الإنساني من العلاقة الوجدانية تجاه ذلك العاشق ، حيث كانت تتحرك وفق خيار الأمنية والتمني ، المعتمد على تصور مستوى الحب العاطفي في داخلها تجاه محبوبها وتمنيها ، ويمكنها الجنوح إنطلاقاً من هذا السياق ، أقول يمكننا تصور تمنيها أن يبادلها ذلك العاشق ما تشعر به تجاهه وتمنيه .

مليت من قولة " أبيج "
بلا أمان
مليت من مشتاق " لج " .
لقد استمر معها هذا الحديث عن الغضب ، بتدافع مفردة " مليت " التي تكررت أكثر من خمس مرات في هذا النص فيما بعد ، وبصرف النظر عن رأيي حيال هذا التكرار ، غير أننا يمكننا استجلاء موقفاً شعوريّاً لازمها وجعلها غير قادرة على تجاوز هذه الدوامة , وتخطي هذه المرحلة ، نظراً لِمَا قالته سابقاً ، وستقوله فيما بعد في هذه القراءة ، عن الحب ، ، وعن محاولاتها لرسم صورة العاشق في شعرها من حيث زاوية التمني والإسترخاء تحت إيحاءات هذه المفردة , لهذا لم تجد أرق أو أخف من هذه المفردة للحديث عنها وللتعبير من خلالها عن حالة الغضب التي سيطرت عليها .

وكم رسمتك أمنية بيضا
نلونها أنا وإنته
وتخضر بمحبتنا الدروب
وتختفي فيها الأغاني
وكم عصيت آمالي العطشى
لقربك ، فيض نور
وقلت لك ، روحي فداك
وصرت لك كلي
مواني
الموقف هنا يتضح بجلاء ووضوح , وقد صرحت به الشاعرة هنا من خلال قولها " رسمتك أمنية " أي أنها تنظر إلى هذا العاشق عن طريق الإحساس بالتمني , الذي فتح أمامها كل أفق مغلق , وجعلها تحلق في سماوات من اللذة والشعور بالهيام العاطفي ، بعيداً عن تداعيات الحياة الأخرى . هذا الموقف الشفاف المليء بالشاعرية ، المتكئ على صورية العاشق عند هذه الشاعرة ، هذا الموقف يعيدنا إلى ما قلناه سابقاً عن غضبها ، حينما انساقت وراء تكرار مفردة " مليت " وها هو المشهد يتكرر ، لكن في حالة العتب ، إذ تدور حول مفردات بعينها

من الغلطان
أنا مدري ؟
من اللي خانته الخطوة ؟
من اللي كذب الهقوة ؟
وتدور دواليك حول هذا السياق " من اللي " ليس استسلاماً للعتب ، بل تلذذاً بهذا العتب ، وذلك أن كمية الحب الملموس في وجدانها لا يساعدها على أي انقلاب فوضوي . هذا الموقف النابع من الوجدان , هو ما دفع الشاعرة إلى الإنسلاخ من سجيتها التي عرفناها بها ، من كونها امرأة عاشقة هائمة ، تبحث عن الحب ولا تتلذذ باصطياد مبررات الغضب أو الهجران ، وهذا ما رأيناه من تواصلنا معها ، حيث أن الحب هو الأساس لديها " قول أحبك " التي ورد تكرارها في مقاطع متناثرة ، لتأكيد عمق هذا الموقف الإنساني ، وحرصها على العيش بحب ، أكثر من تلذذها بالتمرد العابث الذي ليس له أي مبرر .
دائماَ تتعاطى الشاعرة مع الأمنية أو الأماني أو التمني , والتي كلها تدور في فلك دلالي واحد ، أقول دائماً حينما تتعاطى الشاعرة مع هذه الأشياء بالنسبة لموقفها الوجداني من العاشق , نلمس مفرداتها الشعرية التي تضجّ وتصرخ ضمن هذا السياق , سواء على مستوى الفهم الداخلي لبعض مفردات الشاعرة ذات العلاقة ، أو على مستوى أدائها العام في نصوصها الشعرية بشكل أكثر شمولية .

تعال نحمل أسراب الحمام
أصدق أمانينا
ونكتبها شعر : وإحنا نغنينا
ثم تقول في نفس هذا النص ، كتأكيد لهذه الحالة
وإحنا بروحنا ناسي ،، ونواسينا !!
ونطيرها جناح أخضر
أمانينا
ولكي يُفهم هذا المقطع المجتزأ من هذا النص ، نتواصل مع الشاعرة فيما تقول ضمن هذه القصيدة

تعال ولا تخاف ،،
الحب كفيل إنه يرتبنا
يبعثرنا ويلملمنا
يهذبنا .. ويعذبنا

صورة الرجل العاشق متلازمة في كل النصوص التي وقفنا عندها لدى الشاعرات في كل هذه القراءة ، من خلال تعاطي كل شاعرة مع مفاتيحها الخاصة , مما تمتزج هذه الصورة التخصيصية إلى الحب بفضائه الأوسع ، غير أن الصورتين ( الحب والمحبوب ) تتداخلان بحيث يصعب الفصل بينهما باعتبار أنهما يسيران وفق سياق واحد ، لكن الحالة الإنسانية العاطفية عند الشاعرة استقلال الزامل خاصة بها , لأنها ليست متعلقة بالحلم والإنسياق وراء تداعيات الخيال بما فيه من جنوح وإنطلاق كما عند الشاعرة سكون ، ولا مرتبطة بتفاصيل الأشياء الخارجية كما عند الشاعرة شمس نجد ، بما في هذه الأشياء من شعور بالغياب , ولا هو الناتج عن موقف نفسي أو عقدة شخصية لا علاقة لها بالحب بشكل مباشر كما عند العنود بنت ناصر ، وإنما هذا الموقف عند الشاعرة استقلال الزامل يكاد يلمس جميع الأطراف ، ومن ثم الإنغماس بها بعد ذلك ، باعتبار أن التلذذ بهاجس الأمنية والتمني يتمدد مع الشاعرة إلى الداخل ويتغلغل بها إلى العروق ، وإن حاولت رسم هذا الموقف أمامها على الواقع عن طريق أسراب الحمام على سبيل المثال ، لكنه بشكل بعيد ، أي غائر وعميق وإن كان بطريقة عكسية

ويسكني الأمل
في شوفتك تتكحل عيوني
وأكيد اللي تحكوا بي
ولامونى
وأقول إن الرجا ماضاع
وإن الشوق رده ،،
الهاجس الإنساني المتصل بالأمل والرجاء وكلاهما لهما علاقة وطيدة بالتمني ، هو ما رسم المشهد العاطفي عند الشاعرة ، وجعلها تتحرك وفق هذا السياق بعيداً عن أي مواقف إنفعالية . هذا الموقف العاطفي رقّق عندها المفردة الشعرية ، وجعل علاقتها وفق المرئي من نصوصها , مع المحيطين من حولها , لاسيما الغدال أو اللائمون ، حيث كانت أكثر دفئاً وشاعرية ، خالية من المواقف الإسمنتية التي لا روح فيها ، إذ تتمازج لديها المفردات ذات العلاقة بالأنثى كـ " تكحيلة العيون " أو غسلها من شدة البكاء أو طول الفراق ، فكانت هذه الأجواء تتناغم مع علاقتها بالحب بشكل أوسع والرجل / المحبوب على وجه التخصيص ، كعنصرين متداخلين يصعب الفصل بينهما في أثناء التواصل العاطفي , أو العلاقة الوجدانية الإنسانية من باب أوسع .

أغالط واقعي
وأحلم
وأقول إني وصلت
وزال ذاك الهم
وأصحى ونار ظلمك بالحشا
تحرق
ولا يفرق
العلاقة بين الواقع والحلم تمني وجنوح إلى إطلاق أسراب من التمني ، هذا هو الخط في نصوص الشاعرة ، وهذا الإحساس الناتج عن التعلق بالحلم مع الشعور بصدمة الواقع ، يجعل الشاعرة تلوذ وراء أحلام اليقظة والأماني وأحلام اليقظة مرتبطة بتطلعات النفس لا بتفجير كوامن التخيل ، وهذا ما عناه الشاعر العربي في العصر الجاهلي ، حينما قال :

إن الأمانيََ يجعلن الفتى ملكاً
........... فوق السماك ، ولم ترفعْ لهُ رأسا

فهذه الأماني التي عناها الشاعر هنا في هذا البيت ، هي تلك المعروفة بأحلام اليقظة ، وهذا ما نفهمه من قول الشاعرة

أغالط واقعي
وأحلم
فالخيط الرفيع الذي يشدها للحب ، وللتعاطي مع المحبوب ، نابع من الإستغراق في الحلم ، وهو حلم اليقظة أي الشعور بنشوة التمني ، والإنسياق وراء تداعيات الأماني ، بما في هذه الأماني من استسلام واسترخاء شاعري .

منهو يرسمك / ضحكة
إذا هالكون من درب الفرح
زاحك
الإستغراق في اللحظة ، من حيث التطلع النفسي إلى الخلود في عالم الحب ، أهم ما يميز الخط البياني الشعري لإستقلال الزامل ، لأن الحب عندها حالة استغراق وتطلع نفسي ، وليس إرتماء في أحضان التخيل والعيش على جناح الخيال .

في غيابك
صادقتني الحيرة والآه ،،
وتناهيد السهر
والفرح غادر ممرات العمر
وأنا احلم باللقا
وكل يوم أصنع لك
عذر !!
مفتاح النص الشعري العاطفي على وجه الخصوص مرتبط بالركون إلى التمني ، وهو الحلم المرتبط بالواقع والبحث عن الأعذار والسكون إلى المبررات التي تحاول الشاعرة إقناع نفسها بها , عن طريق خلق أعذار واهية أو شبه واهية ، تقنع بها نفسها بسبب الغياب ، غياب المحبوب ، وذلك من اجل الإسترخاء النفسي والشعور بالتمدد الروحي على مستوى اللحظة المعنوية المجردة , وبمعنى أكثر تفصيل وتوضيح ، يظل الحب والموقف من الرجل كمحبوب مرتبط بخيط رفيع يفصل الواقع عن الحلم بمعناه الواسع ، وذلك الخيط هو الإستغراق في اللحظة الآنية للتمني ، ومحاولة رسم صورة المحبوب بعد أن أعوزها الواقع من إمكانية إحضاره لها بشكل مادي ، يحفظ لها التوازن النفسي لها مع الواقع .

تمنيتك ،،
ظلالي ،، راحتي ،، أمني
وكما قلت سابقاً عن هذه الحالة ، لأن الشاعرة غير قادرة على خلقه ككيان على الواقع ، أو ليس بإمكانها إحضاره بالطريقة التي تشاء ، لهذا تتمناه من اجل خلق حالة من التوازن النفسي مع الواقع ، وملء الفراغ الموجود بينها وبين الآخر بهذا الجنوح للتمني ، وهذا الإسترخاء الروحي والتطلع النفسي العاطفي من اجل أن يكون لها وأمامها قدراً محتوماً تسعى للوصول إليه ، ولكي يكون لها " ظلالاً " يقيها حر الحياة ولهيبها المتصاعد و " راحة " تسكن إليها وترتمي بين أحضانها ، و " أمناً " يحميها ويحفظ لها شعورها المغموس بالخوف ، أو عدم الشعور بالراحة .
من خلال ما سبق الحديث عنه , عن تجربة الشاعرة استقلال الزامل , يدرك القارئ الكريم أنها كانت تسير بمحاذاة سكون ، وكأنهما يلتصقان ببعضهما البعض في بعض النواحي ، لكنني حاولت جاهداً الفصل بين المسارين ، نظراً لأن كل شاعرة لها بصمتها الشعرية الخاصة بها ، وإن حدث بعض التشابه عند غير المتمكنين من القراءة الجيدة للنصوص .