المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مــخــتــارات ... من الأدب العالمي


عبدالله الزمّاي
03-19-2010, 12:03 AM
...
..
.

على غرار موضوعات أخرى هنا ... عن قصائد الشعبي وآخر للفصحى ..
أيضا هنا وعلى نفس النمط ... نجمع ما نجد في طريقنا وما يعجبنا من إنتاج الشعوب والثقافات الأخرى ..


هذه نافذة لنطل منها على كل الجهات الأخرى ... ونلصق على أبوابها ما نريد ( قصة _ شعر _ رواية ...... إلخ ) وكل ما يحوز على إعجابنا من الآداب العالمية ..








تحياتي
Rose7747

عبدالله الزمّاي
03-19-2010, 12:08 AM
...
..
.



جدي وأبي وأنا






جدي الكبير كان يقسم
بالشمس والقمر
أبي كان يقسم
بالمقام والقرآن
أما أنا , فأقسم :
بقلب الإنسان
من حيث تشرق الشمس
بعيون جبهته
حيث الشمس والقمر يشعان











أنور جرتشيكو _ شاعر كوسوفي
( المصدر : مختارات من الشعر الكوسوفي المعاصر )

فيصل الرحيّل
03-19-2010, 12:11 AM
عبدالله الزمّاي ..
دائما ما تأتي بالجديد المفيد ..

سوف نستمتع من خلال هذه النافذة بمختلف الآداب العالمية ..
سنرتوي بما ينهل به موردهم من روعة وابداع ..

سنكون في الصفوف الأولى ..

شكراً لكَ ياعزيزي ..
Rose7747

عبدالله الزمّاي
03-19-2010, 12:27 AM
....
...
..
.



أحب







أحب النقطة حين تثقب الحجر
وأحب الثلج حين يخفف من حدة التوتر في الأرض
أحب الشمس حين تدفئ الجلد
وأحب الصاعقة حين تخرج الشمس من الحزن
أحب .... لا أعرف ماذا أحب
ربما أحب القمر فقط
لأنه يرى كل شيء ولا يتكلم .








بسيم بوكشي _ شاعر كوسوفي
( المصدر : مختارات من الشعر الكوسوفي المعاصر )

عبدالله الزمّاي
03-19-2010, 12:33 AM
عبدالله الزمّاي ..
دائما ما تأتي بالجديد المفيد ..

سوف نستمتع من خلال هذه النافذة بمختلف الآداب العالمية ..
سنرتوي بما ينهل به موردهم من روعة وابداع ..

سنكون في الصفوف الأولى ..

شكراً لكَ ياعزيزي ..
Rose7747









حياك الله يا فيصل ....

Rose7747

عبدالله الزمّاي
03-19-2010, 12:46 AM
...
..
.




( ما من مركز لحياتي , إن حياتي لتتأرجح بين أقطاب عديدة وأقطاب متعاكسة . توق إلى الإقامة من جهة , وتوق إلى التجوال من جهة أخرى , رغبة في الوحدة والانعزال هنا ونزعة إلى الحب والمخالطة هناك .. )



( بيد أن ما أسعى إليه ليس تغيير ذاتي فوحدها المعجزة تملك ذلك . وكل من ينشد معجزة كل من يتعلق بها ويحاول بلوغها فيستشهد تلاشيها أمام ناظريه إن ما اسعى إليه هو أن أقبض في التأرجح الدائم بين عنف المتضادات , ولن أكون على أهبة الاستعداد حين تباغتني المعجزة . إن مطمحي هو أن أبقى بغير ما رضا . وأن أملك القدرة على تحمل كل هذا القلق )









هرمان هسه _ أديب ألماني
( المصدر : تجوال )

عبدالله الزمّاي
03-19-2010, 01:15 AM
.
.


أنا أعاني معاناة كبيرة مع الاتصال هذا المساء ...

كتبت أشياء جميلة ... ولكنها تختفي في كل مرة



:cool:

عبدالله الزمّاي
03-19-2010, 01:06 PM
...
..
.




( أليست الأيديولوجيات هي أصل الداء في زماننا؟ إن الفكر المبدع الخلاق تخنقه النظريات والمفاهيم الدوغمائية وتقدم الإنسان تعوقه المفاهيم التي لا تتغير .
أحلم بثورة دون أيديولوجيا لا يكون فيها قدر الإنسان وحقه في الطعام والعمل والحب والحياة خاضعا للمفاهيم التي تفرضها أيديولوجية ما .... إنه حلم مستحيل , أليس كذلك ؟
ليس لدينا حق أكثر استقامة وأكثر ثباتا من حقنا في الحلم إنه الحق الوحيد الذي لا يستطيع أي دكتاتور أن يقلص من حجمه أو أن يلغيه )








جورج أمادو _ روائي برازيلي
( المصدر : طفل من حقول الكاكاو )

عبدالله الزمّاي
03-19-2010, 01:09 PM
...
..
.


( قصة قصيرة )



قرص أودين





أنا حطاب، ولا يهم ما اسمي. يقع الكوخ الذي ولدت وسأموت فيه قريبا على تخوم الغابة. ويبدوا أن هذه الغابة تمتد حتى البحر الذي يحيط بالأرض التي توجد عليها بيوت خشبية مثل بيتي. لا أدري، فأنا لم أشاهد ذلك أبدا. كما لم أر أبد الطرف الآخر من الغابة. وقد جعلني أخي الأكبر أقسم معه، عندما كنا صغارا، على أن نقطع نحن الاثنين كل أشجار الغابة بحيث لا تبقى شجرة واحدة. ولكن أخي مات، وما أبحث عنه الآن وسأبحث عنه في المستقبل هو شيء آخر. باتجاه الغرب يسيل جدول أحسن الصيد فيه بيدي. وفي الغاب يوجد ذئاب، ولكنها لا تخيفني وفأسي لم تخني أبدا. لم أحص سنوات عمري، ولكني متيقن أنها كثيرة. الآن لا أكاد أرى شيئا بعيني. وفي القرية – التي لا شك أني سأضل الطريق اذا ما حاولت الذهاب إليها- اشتهرت بأني بخيل. ولكن أي ثروة يمكن أن يجمعها حطاب من الغاب؟
لقد تعودت أن أغلق باب بيتي بصخرة حتى لا تدخل الثلوج. وذات ظهيرة، سمعت خطوات متثاقلة تلاها طرق على الباب. ففتحته وسمحت لمجهول بالدخول. كان شيخا، طويل القامة، وملتفا في دثار بال. وعلى وجهه ارتسمت ندبة. كان يبدو أن تقدمه في السن قد منحه من السطوة أكثر مما أخذ منه من القوة. غير أني لاحظت أنه لا يستطيع المشي دون أن يستند إلى عكاز. وتبادلنا كلمات قليلة لم أعد أذكرها. ثم قال في نهاية الأمر:
“لا املك مسكنا وأنام حيثما استطعت. وإني قد ذرعت سكسونيا بأسرها”.
كانت هذه الكلمات تتناسب مع سنه، لقد كان أبي يتحدث دائما عن سكسونيا، والآن صار الناس يسمونها “انجلترا”.
كان لدي بعض الخبز والسمك. تغذينا في صمت، ثم بدأ المطر يهطل. فأعددت له سريرا من جلود الحيوانات على الأرض نفسها التي مات عليها أخي. وعند حلول الظلام نمنا.
كان النهار قد لاح عندما خرجنا من المنزل. لقد توقف المطر، وكانت الأرض مغطاة بثلوج جديدة. ترك الضيف عكازه يسقط وأمرني أن أحمله له.
قلت له: “لماذا علي أن أطيعك؟”
فأجاب: “لأني ملك.”
ظننته مجنونا. فالتقطت العصا وأعطيتها له. كان يتكلم بنبرة مختلفة.
- أنا ملك السكسونيين. لقد انتصروا مرات عديدة بفضلي في حروب طاحنة، ولكن شاءت الأقدار أن أفقد مملكتي. اسمي “ايسرن” وأنحدر من سلالة “أودين” .
أجبته:
- أنا لا أؤمن بأودين. إني أعبد المسيح. وتابع كما لو أنه لم يسمعني:
- إني أتسكع في المنافي ولكني مازلت الملك لأن القرص بحوزتي. أتريد ان تراه؟
وبسط كفه النحيلة. كانت يده فارغة ولا تحمل شيئا. ولم أتفطن إلا في تلك اللحظة إلى أنها كانت مضمومة دائما.
قال محدقا في:
- بإمكانك أن تلمسه.
لمست كفه بأطراف أصابعي مرتابا. فأحسست بشيء بارد، ولمحت بريقا. ثم انضمت اليد فجأة. لم أقل شيئا. وتابع هو حديثه بأناة وكأنه يكلم طفلا:
- إنه قرص “أودين”. وليس له إلا وجه واحد. ومادام موجودا في يدي سأبقى الملك.
سألته: هل هو من ذهب؟
- لا أدري. إنه قرص “أودين” وليس له إلا وجه واحد.
حينئذ زين لي الطمع امتلاك القرص. لو كان ملكا لي لاستطعت بيعه وشراء سبيكة من الذهب وصرت ملكا.
قلت للمتشرد الذي صرت أحقد عليه:
- في كوخي أخبئ صندوقا مليئا بالنقود الذهبية البراقة كالمشعل. فإذا اعطيتني قرص “أودين” منحتك الصندوق.
قال بعناد: لا اريد.
قلت: إذن، تستطيع أن تواصل طريقك. واستدار لي بظهره، فكانت ضربة فأس على رقبته أكثر من كافية لكي يترنح ويسقط. ولكن عند سقوطه فتح يده، ورأيت البريق يلتمع في الهواء. حينئذ، رسمت علامة دقيقة على المكان بفأسي. وسحبت الميت حتى الجدول الذي كان في حالة فيضان، ورميته فيه.







خورخي لويس بورخيس _ أديب أرجتنتيني
( المصدر : كتاب الرمل )

عبدالله الزمّاي
03-19-2010, 01:13 PM
...
..
.



النحات والأطفال








أتناول العشاء مع نيكول وأدوم. تتحدث نيكول عن نحات من معارفها، موهوب جدا ومشهور. يشتغل النحات في مرسم شاسع، ويحيط به أطفال. فكل أطفال الحي أصدقاء له.
في أحد الأيام كلفته المحافظة بنحت حصان كبير ليوضع في إحدى ساحات المدينة. وأحضرت شاحنة كتلة الغرانيت الضخمة إلى المرسم وشرع النحات في نحته بالمطرقة والأزميل، معتليا سلما. وكان الأطفال ينظرون إليه وهو يعمل.
ثم ذهب الأطفال في عطلة، بعضهم إلى الجبال، وبعضهم إلى البحر. وعند عودتهم، أراهم النحات الحصان الذي انتهى من نحته. فسأله أحد الأطفال بعينين مفتوحتين على أشدهما:
- لكن.. كيف عرفت أن داخل تلك الصخرة كان يوجد حصان؟








إدواردو غاليانو _ قاص أوروغوياني
( المصدر : أفواه الزمن )

عبدالله الزمّاي
03-19-2010, 01:17 PM
....
...
..
.




موت كاتب حكومي

قصة :







كان مساءً جميلا، في الصف الثاني من القاعة جلس إيفان ديميتريش تشيرفياكوف الموظف الحكومي الصغير متابعا العمل المسرحي من خلال نظارته الصغيرة، كان في قمة سعادته، لكن فجأة .. (المؤلفون على صواب، في القصص كثيرا ما يجد أحدنا – فجأة – هذه، الحياة حافلة بالأحداث غير المتوقعة) فجأة تغيرت ملامحه، تضاءلت عيناه، توقف نفَسَه، خلع نظارته، انحنى للإمام …ها..تشو.. عطس، كما ترون.
العطس ليس محرما على أي أحد وفي أي مكان، الفلاحون يعطسون، رؤساء الشرطة يعطسون، وأحيانا حتى المستشارون الخصوصيون يعطسون، لم يرتبك تشيرفياكوف كثيرا، مسح أنفه بمنديله، ثم وكأي رجل مؤدب ألقى نظرة سريعة على من حوله ليتأكد أنه لم يزعج أحدا بعطاسه، حينها فقط ارتاع لأنه رأى سيدا عجوزا يجلس أمامه في الصف الأول، كان يمسح صلعته ومؤخرة رقبته بقفازه، وبضيق كان يتمتم ببعض الأشياء لنفسه، عرف تشيرفياكوف الرجل، إنه الجنرال المدني بريزجالوف رئيس دائرة النقل في المدينة.
"لقد عطست عليه" فكر تشيرفياكوف "ليس رئيسي، لكنه مازال عملا أخرق، يجب أن أعتذر له".
كح بهدوء، انحنى للأمام، وهمس في إذن الجنرال:
- آسف يا سيدي، أعتذر لمعاليكم، أنا بالصدفة…
- لا يهم..لا يهم.
- بحق الله سامحني، لم أكن أقصد أن…
- اوه .. أرجوك، ارجع إلى مكانك..دعني أسمع.
اضطرب تشيرفياكوف، ابتسم ببلاهة، حول بصره باتجاه خشبة المسرح، نظر، لم يعد يشعر برغبة في المتابعة، بدأ القلق يعذبه، في نهاية العرض وأثناء الخروج توجه إلى الجنرال، مشى بجانبه، وغالب حياؤه وهو يتمتم:
- لقد عطست على معاليكم، سامحني سيدي، تعلم معاليكم...لم أفعل ذلك لـ….
- هذا يكفي، لقد نسيت الموضوع، أما زلت تردده ؟!! قال له الجنرال بنفاذ صبر فيما كانت شفته السفلى تنتفض.
"يقول أنه نسي الموضوع، لكن هناك نظرة حقد في عينيه" ردد تشيرفياكوف، ثم تابع وهو ينظرُ إلى الجنرال بارتياب، "إنه حتى لم يتكلم، يجب أن أشرح له أني لم أكن أقصد، العطاس من قوانين الطبيعة يجب أن يفهم ذلك وإلا سيعتقد أني تعمدت أن..أن أبصق عليه قد لا يعتقد ذلك الآن، لكنه سيعتقده لاحقا".
عندما وصل إلى البيت أخبر زوجته بما كان..أخبرها عن خرقه للسلوكيات الحسنة ، ضايقه أنها لم تعط الموضوع أية أهمية ، اهتمت بالموضوع بداية ثم اطمأنت لمّا عرفت أن بريزجالوف يعمل في دائرة أخرى، "لكن يجب أن تذهب وتعتذر له.." ثم أضافت.."قد يعتقد أنك غير مهذب…"
- هذا ما فعلته، لقد اعتذرت لكنه تصرف بغرابة شديدة…لم يقل كلمة مفهومة… ثم لم تتح لي فرصة لمحادثته…
في اليوم التالي حلق.. لبس زيا رسميا جديدا، وذهب ليشرح الأمر لبريزجالوف، عندما دخل مكتب الاستقبال الخاص بالجنرال وقعت عيناه على مجموعة من المراجعين وقد اصطفوا واقفين وقد توسطهم الجنرال الذي كان قد بدأ باستقبال طلباتهم والشرح على عرائضهم، وأثناء استفهامه عما جاء في بعض هذه العرائض رفع عيناه إلى تشيرفياكوف. - مساء أمس..في المسرح..إن كنتم تتذكرون معاليكم.. - بدأ الموظف الحكومي الصغير كلماته مضطربا -وبالصدفة..عطست وتطرطش لعابي عليكم..آســـ....
- أي هراء هذا..هذا يفوق الإحتمال…عفوا….هل من خدمة أقدمها لك؟!!
"لا يرغب في أن يتحدث عن الموضوع.." تغيرت ملامح وجه تشيرفياكوف.."هذا يعني إنه غاضب..يجب أن أشرح له الموضوع، لا يجب أن أترك الموضوع هكذا.." ..عندما انتهى الجنرال من مقابلة آخر مراجع، وأثناء توجهه إلى الغرف الداخلية وقف تشيرفياكوف أمامه متمتما:
- صاحب المعالي..آسف لأني كنت قد تجرأت على إزعاج معاليكم..أؤكد لكم شعوري بالندم الشديد لما سببته لكم من إزعاج..صدقني معاليكم أني لم أخطط كي أعطس بحضرة معاليكم..يجب أن تعلم معاليكم أني…"
ظهر الضيق على وجه الجنرال وهو يلوح بيده..قال: لعلك تمزح يا سيد.. ثم اختفى في الغرفة الداخلية. .. "أمزح!! لم أكن أمزح..الجنرال ..يجب أن يعرف أني لم أكن أمزح.. سأكتب له رسالة اعتذار.. لن أحضر إلى هنا ثانية..سوف يشنقني إن حضرت.." ..هكذا عاد تشيرفياكوف إلى بيته ثانية، لم يكتب رسالة إلى الجنرال، فكر وفكر وفكر لكنه لم يعرف ما الذي يجب عليه أن يكتبه..لا فائدة..يجب أن يذهب إلى الجنرال غدا ويشرح له الموضوع….
"بالأمس حضرت إلى هنا وأزعجت معاليكم" تمتم في حين اتجهت إليه نظرات الجنرال مستفهما..
"لكن صدقني معاليكم..لم أكن أمزح..كما فهمتم معاليكم..لقد حضرت كي أسترضي معاليكم لأني عطست بحضرتكم..أنا..أنا..لم أكن أمزح ..معاليكم…كيف أجرؤ على المزاح مع معاليكم..المزاح يعني عدم احترامي لمعاليكم..يعني عدم احترامي للأشخاص المحترمين..وذلك يعنـــ…"
-أغرب عن وجهي حالا.. صرخ الجنرال..وقد بدت ملامح الغضب والضيق على وجهه..
- مـ..مـ.. ماذا.. همس تشيرفياكوف وهو ينتفض من الرعب…
- أغرب عن وجهي.. أعاد الجنرال كلماته وهو يضرب الأرض بقدمه غاضبا.
بدا أن شيئا ما قد انكسر في نفس تشيرفياكوف..
تعثر باتجاه الباب..وخرج للشارع..
لم ير ولم يسمع شيئا..مشى بجانب الجدران..
وبلا شعور وجد نفسه في بيته..
تمدد على أريكته دون أن يخلع لباسه الرسمي ..
و……..مات.







أنطوان تشيخوف _ أديب روسي
( المصدر : الأعمال الكاملة )

عبدالله الزمّاي
03-19-2010, 01:20 PM
...
..
.



بحثا عن العمق

قصة :




راغبا في تشجيعها، ومن دون أي سوء نية، قال ناقد لفتاة من شتوتغارت، ترسم لوحات جميلة، في أول معارضها: "إن ما تقومين به موهوب ولافت للنظر، لكن عندك القليل جدا من العمق".
لم تفهم الفتاة ما يعنيه الناقد وفي الحال نسيت ملاحظته. لكن بعد يومين نشرت الجريدة لقاء مع الناقد نفسه جاء فيه: "تملك الفنانة الشابة الكثير من الموهبة وتثير اعمالها الإعجاب من النظرة الأولى، لكنها للأسف تفتقر إلى العمق".
بدأت الفتاة بالتفكير. تأملت في رسوماتها. نقبت في محافظ لوحاتها القديمة. تأملت جميع رسوماتها السابقة والرسومات التي تعمل عليها. ثم سدت زجاجات الحبر الصين. غسلت الفراشي وذهبت كي تتمشى.
في المساء نفسه دعيت إلى حفل. كان الجميع قد حفظ النقد عن ظهر قلب وكرروا الحديث عن الموهبة الكبيرة والإعجاب الشديد اللذين تثيرهما اللوحات من النظرة الأولى. لكن الفتاة تمكنت أن تلتقط من خلفية الدمدمة ومن أولئك الذين تقف وراءهم، إذ أصاخت السمع: "ليس عندها عمق. هذا بالضبط ما ينقصها. هي ليست سيئة، لكن للأسف ليس لديها عمق".
طوال الأسبوع التالي لم ترسم الفتاة شيئا. جلست صامتة في شقتها. أمعنت التفكير وجالت برأسها فكرة واحدة فقط، حاصرت أفكارها الأخرى مثل أخطبوط الأعماق وبلعتها: "لماذا ليس لدي عمق"؟
في الأسبوع الثاني حاولت الفتاة أن ترسم من جديد، لكنها لم تتعد مشاريع لوحات لا مهارة فيها. وأحيانا لم تتمكن من رسم خط واحد. في النهاية ارتجفت ارتجافا شديدا لم تقدر بعده على غمس الريشة في زجاجات الحبر الصيني. فبدأت بالبكاء وأعولت: "نعم، صحيح ما يقولون، ما عندي عمق".
في الأسبوع الثالث بدأت تحدق في كتب الفن، تدقق في اعمال الرسامين الآخرين، تتجول بين المعارض والمتاحف. قرأت كتبا نظرية عن الفن. ذهبت إلى المكتبة وطلبت من البائع أعمق ما لديه من الكتب. حصلت على عمل لكاتب اسمه (فيتغنشتاين). ولم تستفد منه شيئا.
انضمت أثناء تجوالها في معرض أقيم في متحف المدينة تحت عنوان "500 عام من الرسم الأوربي" إلى مجموعة من التلاميذ يقودهم مدرس الفنون. فجأة أمام لوحة من أعمال ليوناردو دافنشي تقدمت إلى المدرس وسألته: "المعذرة هل لكم أن تشرحوا لي إن كان في هذا الرسم عمق"؟ ابتسم لها المدرس ابتسامة ماكرة وقال: "إذا كنت تنوين أن تتسلي معي عليك أن تكوني أكثر مهارة، سيدتي الموقرة". ضحك التلاميذ من أعماق قلبهم، إلا أن الفتاة مضت إلى البيت وبكت بمرارة.
ازدادت غرابة الفتاة. لم تعد تترك مرسمها إلا بالكاد ورغم ذلك لم تتمكن من العمل. تناولت الحبوب لتبقى يقظى، دون أن تعلم ما الداعي لان تبقى يقظة. وعندما تتعب، كانت تنام في كرسيها، لأنها تخاف الذهاب إلى السرير، خشية عمق النوم. ثم إنها بدأت بالشراب وتركت الأضواء مشتعلة في الشقة طوال الليل. لم تعد ترسم. عندما اتصل بها تاجر فن من برلين طالبا بعض لوحاتها صرخت في التلفون: "اتركني بحالي، ليس لدي عمق".
عجنت الصلصال بين الحين والآخر، لكنها لم تشكل شيئا معينا. اكتفت بدس أناملها في الصلصال أو شكلت كبيبات صغيرة، أهملت مظهرها. لم تعد تأبه بملبسها وتبهدلت شقتها.
قلق عليها أصدقاؤها وقالوا: "يجب الاهتمام بها، فهي في أزمة. إما أن الأزمة إنسانية أو أنها فنية، وربما كانت مالية. في الحالة الأولى لا يمكن فعل شيء. وفي الحالة الثانية عليها تجاوز محنتها. وفي الحالة الثالثة يمكننا أن نجمع لها التبرعات، لكن أغلب الظن أن هذا سيؤذي مشاعرها". وهكذا اكتفوا بدعوتها إلى الطعام والحفلات. رفضت كل الدعوات بحجة العمل. لكنها لم تعمل، بل كانت تجلس في غرفتها، تحدق أمامها وتعجن الصلصال.
ذات مرة يئست من نفسها يأسا شديدا وقبلت إحدى الدعوات. أراد شاب أعجب بها أن يأخذها إلى البيت كي يضاجعها. قالت إن اصطحابه لها يسرها، فهو أيضا يعجبها، لكن عليه أن يحتاط، فهي لا تملك عمقا. وعليه وقف الشاب على مسافة منها.
تدهور وضع الفتاة التي كانت ترسم ذات مرة لوحات جميلة، بشكل ملحوظ. لم تعد تخرج مطلقا، لم تعد تستقبل أحدا. سمنت بسبب قلة الحركة وشاخت سريعا بسبب الكحول والحبوب. بدأت شقتها بالتعفن وفاحت منها هي رائحة حامضة.
كانت قد ورثت 30 ألف مارك، عاشت منها طوال ثلاثة أعوام. وقامت خلال تلك الفترة برحلة إلى نابولي، لا يعلم أحد تحت أية ظروف. من كلمها حصل منها جوابا على دمدمة غامضة. وعندما أنفقت نقودها مزقت المرأة الشابة رسوماتها وثقبتها. صعدت برج التلفزيون وقفزت من ارتفاع مائة وتسعة وثلاثين مترا. إلى العمق. لكن ولأن رياحا قوية هبت ذلك اليوم، لم تتحطم على الساحة الإسفلتية تحت البرج، بل حملتها الرياح عبر حقل الشوفان بعيدا حتى أطراف الغابة، حيث سقطت على أشجار التنوب، إلا أنها، رغم ذلك، ماتت.
شاكرة التقطت الصحافة الصفراء الموضوع. كان للانتحار بحد ذاته مسار الطيران الغريب، واقعة أن المنتحرة كانت فنانة واعدة، وعلاوة عليه وسيمة، قيمة معلوماتية عالية. ظهر أن وضع شقتها مأساوي، التقطت لها صور مثال على الشقاء. آلاف الزجاجات المفرغة. علامات الخراب في كل مكان. لوحات ممزقة، بقع الصلصال على الجدران، بل وحتى الفضلات في الزوايا. خاطرت الصحافة بعنوان رئيسي ثان وتقرير على الصفحة الثالثة.
في الصفحة الأدبية كتب الناقد المذكور أعلاه، تعليقا عبر فيه عن شديد أسف، لنهاية الفتاة هذه النهاية المؤلمة: "من جديد تهزنا من الأعماق، نحن الباقين، حقيقة أن نرى موهبة شابة، لا تملك من القوة ما يكفيها لتثبت وجودها في المشهد الفني. هنا لا يلعب تشجيع الدولة والمبادرات الفردية الدور الحاسم، عندما يتعلق الأمر بأن يفسح المجال بالدرجة الأولى لصب الاهتمام في الحقل الإنساني ولمرافقة متفهمة في القطاع الفني. بيد أن بلوغ هذه النهاية المأساوية يقع بالنتيجة على الفرد. أفلا تنطق أعمالها الأولى، الساذجة ظاهريا، بذلك التمزق المرعب، ألا يقرأ من تقنياتها صعبة المراس، صاحبة الرسالة، ذلك التمرد الموجه إلى الداخل، الذي يحفر الذات حلزونيا، غير المجدي بشكل واضح، الذي يبديه المخلوق على ذاته؟ ذلك البحث الجبري خطير العواقب، أود القول، الذي لا يرحم، عن العمق".







باتريك زوسكيند _ روائي ألماني
( المصدر : ثلاث حكايات وملاحظة تأملية )

عبدالله الزمّاي
03-20-2010, 12:09 AM
...
..
.

مقتطفات من ....أنشودة اليأس






تبرز ذكراك في الليل الذي يلفني
ويتحد النهر والبحر في صرخة حزن عنيدة

مهجور أنا كأرصفة الميناء عند الفجر
حانت ساعة الرحيل أيها المهجور

تساقط النورات الباردة كالأمطار على قلبي
آه يا كوما من الأنقاض يا كهف الغرقى الضاري

تتراكم فيك حروب وانطلاقات
ومنك تنمو أجنحة الطيور الشادية

تلتهمين كل شيء كأنك الفراق
كأنك البحر , كأنك الزمن
وكل شيء يغرق فيك
لقد كانت ساعة النجوم والقبلات
الساعة الفرحة
ساعة الحذر الذي يتحرق كالفنار

قلق القبطان , غضب الغواص الأعمى
نشوة الحب القلق
وكل شيء يغرق فيك

في طفولة الغمام
ترقد روحي مجنحة جريحة

....
...
..
.



بابلو نيرودا _ شاعر تشيلي
( المصدر : أدب أميركا اللاتينية )

فيصل الرحيّل
03-20-2010, 12:23 AM
هُناك حفنة ضوء ..
في أمسياتِ الشتاء ..
تغمّ القلبَ كما في الكنائس الغِناء ..

تُشعِرُنا بآلامٍ سماوية ..
ولا تُخلّف وراءها الجُروح ..
بل تُحدِثُ تغيُراً .. في ثنايا الروح ..

نُحاولُ تجنُبها بلا جدوى ..
إنها الألمُ المصير ..
نلتقطه كالعدوى ..
في أنفاس الأثير ..

حين تزحف تنصت التلال ..
وتحبس الظلال أنفاس الموت ..
وهي حين تنسحب ..
كالنظرة الباردة على وجه الموت ..!








إيميلي دينكسون .. شاعرة أمريكية
( أدب _ الموسوعة العالمية للشعر _ ترجمة / سوزان سعد )
Rose7747

عبدالله الزمّاي
03-21-2010, 09:33 PM
...
..
.



لا تأتي إلا بما يضيف دائما


Rose7747

فيصل الرحيّل
03-22-2010, 02:06 AM
قصة تحمل الكثير في جعبتها ..
قصة بـِ عنوان ( الألم )



عُرف غريغوري بتروف ولسنوات طويلة ببراعته الفائقة في حرفة الخراطة، لكنه في نفس الوقت كان الأكثر حمقا وسذاجة في إقليم (غالتشينيسكوي)، فلكي ينقل زوجته المريضة إلى المستشفى، كان عليه أن يقود الزلاجة لمسافة عشرين ميل في جو شتائي عاصف، عبر طريق شديدة الوعورة. ولم تكن تلك بالمهمة اليسيرة حتى بالنسبة لسائق البريد الحكومي. كانت الرياح القارصة تضرب في وجهه مباشرة، وسحب الثلج تلتف في دوامات حوله في كل اتجاه، حتى أن المرء لا يدري إن كان هذا الثلج يتساقط من السماء أم يتصاعد من الأرض، بينما الرؤية معدومة تماما لكثافة الضباب الثلجي، فلم يكن يرى شيئا من الحقول والغابات وأعمدة التلغراف. وعندما كانت تضربه ريح قوية مفاجئة، كان يصاب بالعمى التام، فلا يعود يبصر حتى لجام الحصان، ذلك الحيوان البائس الذي كان يزحف ببطء وهو يجر قدميه في الثلج بوهن شديد. وكان الخراط قلقا متوترا ومتعجلا لا يكاد يستقر في مقعده وهو يسوط ظهر الحصان.

كان غريغوري يغمغم طول الوقت متحدثا إلى زوجته.

- لا تبكي يا ماتريونا. قليل من الصبر يا عزيزتي. سنصل المستشفى وعندها كل شيء سوف يكون على ما يرام...سيعطيك بافل ايفانيتش بضع قطرات، أو سأطلب منه أن يعمل لك الحجامة، أو ربما يتكرم ويرضى أن يدلك جسدك بالكحول. سيبذل كل ما في وسعه دون شك. نعم سيصرخ وينفعل لكنه في النهاية يبذل جهده. إنه رجل مهذب ولطيف. فليعطه الله الصحة. حالما نصل هناك ويرانا سيندفع من غرفته كالسهم ويبدأ بإطلاق السباب والشتائم. وسوف يصرخ: كيف؟ لماذا هكذا؟ لماذا لم تأتوا في الوقت المناسب؟ أنا لست كلبا كي أبقى عالقا هنا في انتظار حضراتكم طوال اليوم. لماذا لم تأتوا في الصباح؟ هيا اخرجوا، لا لن أستقبلكم. تعالوا غدا. فأرد عليه قائلا: يا حضرة الطبيب المبجل بافل إيفانيتش، نعم يمكنك أن تسب وتلعن وتشتم...، وليأخذك الطاعون...أيها الشيطان....

ساط الخراط ظهر الحصان، ومن دون أن ينظر إلى المرأة العجوز الراقدة في العربة خلفه واصل حديثه مع نفسه:

- يا حضرة الطبيب المبجل، أقسم بالله، ولن أقول إلا الصدق، وها هو الصليب أرسمه على صدري أمامك بأنني انطلقت قبل طلوع الفجر، ولكن كيف يمكنني أن أكون عندك في الوقت المناسب وقد أرسل الرب هذه العاصفة الثلجية؟ تلطف وانظر بنفسك..إن أفضل الجياد لن تتمكن من السير في هكذا جو، وحصاني هذا الكائن البائس التعيس كما ترى بنفسك ليس حصانا على الإطلاق. عندها سيقطب بافل ايفانيتش حاجبيه ويصرخ: نحن نعرفكم، أنتم دائما بارعون في اختلاق الأعذار، وعلى الأخص أنت يا غريشكا. فأنا أعرفك حق المعرفة، وأقسم بأنك توقفت في نصف دزينة من الحانات قبل أن تأتي عندي. لكني سأقول له: أيها المحترم، هل أنا كافر أم مجرم حتى أتنقل بين الحانات بينما زوجتي المسكينة تلفظ أنفاسها الأخيرة؟ لعنة الله على الحانات وأصحابها وليأخذهم الطاعون جميعا. سيأمر بافل ايفانيتش عندها بنقلك إلى داخل المستشفى، فاركع عند قدميه. بافل ايفانيتش، أيها المحترم، نشكرك من صميم قلوبنا، وأرجو أن تسامحنا على حماقاتنا وسلوكنا الأرعن، وألا تكون قاسيا معنا نحن الفلاحون. نعم نحن نستحق منك لا الشتيمة فحسب بل حتى الرفس، وقد كنا سببا في خروجك وتلويث قدميك في الثلج. سينظر بافل ايفانيتش نحوي كأنه يريد أن يضربني وسيقول: ألا يجدر بك أيها الأحمق أن تشفق على هذه المسكينة وترعاها بدلا من أن تسكر وتأتي لتركع عند قدمي؟ والله أنت تستحق الجلد. نعم، نعم..أنت على حق في ذلك. أنا أستحق الجلد يا بافل ايفانيتش، فلتصب السماء لعناتها على رأسي، ثم ما الضير لو ركعت عند قدميك، فأنت أبونا وولي نعمتنا، ويحق لك يا سيدي أن تبصق في وجهي لو بدر مني ما يضايقك، وأقسم بالله على ذلك. سافعل كل ما تريده وتأمرني به..إذا استرجعت زوجتي العزيزة ماتريونا صحتها. وإذا أردتَ أصنع لك علبة سجاير فاخرة من أفضل أنواع الخشب، كراتا للعبة الكروكيت، أو أروع قناني خشبية للعبة البولنج..ولن آخذ منك قرشا واحدا. في موسكو تكلف علبة السجاير أربع روبلات، لكني سأصنعها لك دون مقابل. عندها سيضحك الطبيب ويقول: حسنا، حسنا...يبدو أنك سكران حتى الثمالة. كما ترين يا عزيزتي فأنا أعرف كيف أتعامل مع أبناء الطبقة العليا. ليس هنالك من سيد يستعصي علي. فقط أدعو من الله ألا أفقد الطريق. أنظري كم عنيفة هي الريح. لا أكاد أفتح عيني من شدة اندفاع الثلج.


ولم يتوقف الخراط عن حديثه المتواصل مع نفسه، في محاولة منه على ما يبدو للتخفيف من ضغط المشاعر الحادة عليه. كانت الكلمات كثيرة على لسانه، وكذلك الأفكار والأسئلة في رأسه. جاءه الحزن مفاجئا، دون توقع أو انتظار، وعليه الآن أن يتخلص منه. لقد عاش حياته في سكينة وسلام دون أن يعرف للحزن أو للبهجة معنى، وفجأة، دون سابق إنذار، جاءه الألم ليعشش بين تلافيف قلبه، فوجد السكير المتسكع نفسه في موقع المسئول، مثقلا بالهموم،ويصارع الطبيعة.


وراح غريغوري يتذكر كيف ابتدأت المشكلة ليلة أمس عندما عاد إلى البيت سكرانا بعض الشيء، وكالعادة انطلق يشتم ويهدد بقبضتيه، فنظرت إليه زوجته كما لم تنظر إليه من قبل. عادة ما تشف نظرات عينيها عن الذل والاستكانة الشبيهة بنظرات كلب أشبع ضربا. لكنها هذه المرة نظرت إليه بتجهم وثبات، كما ينظر القديسون في الصور المقدسة أو كما ينظر الموتى. من نظرة الشر الغريبة تلك بدأت المشكلة. وفي حالة من الذهول والاستغراب استعار حصانا من أحد الجيران كي ينقل زوجته العجوز إلى المستشفى لعله باستخدام المساحيق والمراهم، يستطيع بافل ايفانيتش أن يعيد التعبير الطبيعي لنظرة عينيها.


ويستمر الخراط في حديثه مع نفسه فيقول:

- حسنا، اسمعيني يا ماتريونا، لو سألك بافل ايفانيتش فيما إذا كنت قد ضربتك، يجب أن تنفي ذلك وسوف لن أضربك بعد اليوم، أقسم على ذلك. وهل ضربتك يوما لأني أكرهك؟ لا، إطلاقا. إنما دوما أضربك وأنا فاقد لوعيي. أنني حقا أشعر بالأسف من أجلك. لا أظن أن الآخرين سيبالون مثلي، فها أنت ترين، إنني أفعل المستحيل في هذا الجو الثلجي العاصف كي أصل بك إلى المستشفى. فلتتحقق مشيئتك أيها الرب، وإن شاء الله لن نخرج عن الطريق. هل يؤلمك جنبك عزيزتي؟ ألهذا أنت لا تتكلمين؟ إني أسألك، هل يؤلمك جنبك؟


لاحظ خلال نظرة خاطفة إلى العجوز بأن الثلج المتجمع على وجهها لا يذوب. والغريب أن الوجه نفسه بدا مسحوبا، شديد الشحوب، شمعيا، جهما ورصينا. صرخ قائلا:

- أنت حمقاء، حمقاء..، أقول لك ما في ضميري أمام الله، لكنك مع ذلك تصرين على....حسنا، أنت حمقاء، وأنا قد أركب رأسي..ولا آخذك إلى بافل ايفانيتش.

أرخى اللجام بين يديه وبدأ يفكر. لم يكن في مقدوره أن يستدير تماما لينظر إلى زوجته. كان خائفا. وكان يخشى أيضا أن يكرر أسئلته عليها دون أن يحصل على جواب. أخيرا، وليحسم الأمر، ومن دون أن يلتفت إليها رفع يده وتحسسها. كانت باردة، وعندما تركها سقطت كأنها قطعة خشب. ندت منه صرخة.


- إذن فهي ميتة، يا للمصيبة.


لم يكن آسفا قدر انزعاجه. وفكر كيف أن الأشياء تمر سريعة في هذا العالم. لم تكن المشكلة قد ابتدأت وإذا بها تنتهي بكارثة. لم يسنح له الوقت كي يعيش معها ويكشف لها عن أسفه قبل موتها. عاش معها أربعين عاما لكنها مرت في ضباب وعتمة مطبقة. لم يكن هنالك من مجال للأحاسيس الجميلة وسط السكر والعربدة والشجار المتواصل والفقر المدقع. ولكي تغيظه فقد ماتت في اللحظة التي بدأ يشعر فيها بالأسف عليها، وبأنه لا يستطيع العيش من دونها وأنه كان قاسيا معها وقد أساء لها كثيرا.


قال لنفسه متذكرا:

- كنت أبعثها كي تدور في القرية تستجدي الخبز. كان يمكن أن يطول العمر بها لعشر سنوات أخرى. المصيبة أنها ماتت وهي تعتقد بأني ذلك الإنسان...... يا أمنا المقدسة. ولكن بحق الشيطان أين أنا ذاهب الآن؟ ما عاد بي حاجة إلى الطبيب، ما أحتاجه الآن قبرا كي أدفنها.


استدار بالزلاجة وهو يلهب ظهر الحصان بسوطه، وقد ازداد الجو سوءا حتى انعدمت الرؤية تماما. ومن حين لآخر كانت تضرب وجهه ويديه أغصان الأشجار وتخطف من أمام عينيه أجسام سوداء.


- لو أعيش معها مرة أخرى.


وتذكر بأن ماتريونا قبل أربعين عاما كانت مليحة الوجه مرحة الروح، وهي من عائلة ميسورة الحال، وقد رضي أهلها أن يزوجوها له بعدما شاهدوا وعرفوا مدى براعته في مهنة الخراطة. كانت كل الأسباب لحياة سعيدة متوفرة لهما، لكن المشكلة أنه في ليلة عرسه شرب حتى الثمالة ومن يومها وهو سكران طول الوقت ولم يستيقظ أبدا. نعم فهو يتذكر عرسه، ولكنه لا يتذكر شيئا مما حدث بعد ذلك وطوال حياته، باستثناء أنه كان يسكر ويضطجع عند الموقد ويتشاجر. هكذا ضاعت منه أربعون سنة.


بدأت الغيوم الثلجية البيضاء تتحول تدريجيا إلى اللون الرمادي مما ينبئ عن قرب الغسق. عاد يسأل نفسه:


- إلى أين أنا ذاهب؟ مطلوب مني أن أفكر بدفن الجثة... بينما أنا الآن في طريقي إلى المستشفى..كأنني فقدت عقلي..


واستدار بزلاجته ثانية. كان الحصان يشخر وراح يتعثر في خببه، فعاد الخراط يجلده من جديد. وكان يسمع صوت ارتطام خلفه، ومن دون أن يلتفت كان يعرف بأنه صادر عن رأس العجوز وهو يضرب بحافة المقعد.


ازداد الثلج عتمة، واشتدت برودة الريح.


- لو أعيش معها مرة أخرى، سأشتري مخرطة جديدة، وأشتغل...وأجلب لها الكثير من النقود.


أفلتت يداه العنان. بحث عنه. حاول أن يلتقطه، فلم يستطع. قال لنفسه:

- لا يهم. يستطيع الحصان أن يتولى الأمر بنفسه، فهو يعرف الطريق. يمكنني أثناء ذلك أن أنام قليلا قبل أن أتهيأ للجنازة وصلاة الميت...


أغلق الخراط عينيه وغاص في إغفاءة. بعدها بفترة قصيرة شعر بأن الحصان قد توقف عن السير. فتح عينيه فرأى أمامه شيئا معتما يشبه كوخا أو كومة من القش. أراد أن ينهض ليكتشف ذلك الشيء، لكنه أحس بأنه عاجز تماما عن الحركة، ووجد نفسه دون ضجة أو مقاومة يستسلم لنوم هادئ عميق.


عندما استيقظ، وجد نفسه في غرفة فسيحة، مطلية الجدران، وضوء الشمس يتوهج عند الشبابيك. ورأى ناسا حوله، فكان شعوره الأول أن يعطي الانطباع بأنه سيد محترم ويعرف كيف يلتزم بالسلوك السليم الذي يفرضه الموقف. قال مخاطبا إياهم:


- الصلاة على روح زوجتي أيها الأخوة. لابد من إعلام القس بذلك...


قاطعه أحدهم بصوت حازم:


- حسنا، حسنا، ولكن لا تتحرك.


صرخ الخراط مندهشا وهو يرى الطبيب أمامه:


- بافل إيفانيتش! ولي نعمتنا المبجل.


أراد أن يقفز ليركع على ركبتيه أمام الطبيب، لكنه شعر بأن ساقيه وذراعيه لا تستجيب له. صاح مرعوبا:


- أين ساقيَّ ؟ وأين ذراعيَّ يا سيدي ؟


- قل لهما وداعا. كانت متجمدة تماما فاضطررنا إلى بترها. هيا...هيا...علام تبكي ؟ لقد عشت حياتك، واشكر ربك على ذلك. أنت الآن في الستين على ما أعتقد، وأظن أن هذا يكفي بالنسبة لك.


- أنا حزين، حزين جدا...وأرجو أن تسامحني يا سيدي. كم أتمنى لو أعيش خمس أو ست سنوات أخرى.


- لماذا؟


- الحصان ليس لي، ويجب أن أعيده لأصحابه..ويجب أن أدفن زوجتي...أوه يا إلهي..كم تنتهي الأشياء بسرعة مذهلة في هذا العالم. سيدي..بافل ايفانيتش، سأصنع لك علبة سجاير من أجود أنواع الخشب، وكذلك كرات للكروكيت...


غادر الطبيب الجناح وهو يلوح بيده. كان كل شيء قد انتهى بالنسبة للخراط.


( أنطون تشيخوف / طبيب وكاتب مسرحي ومؤلف قصصي روسي , ترجمة : رافع الصفار )
Rose7747

عبدالله الزمّاي
03-23-2010, 09:51 PM
....
...
..
.


العظيم / تشيخوف
يستحق أكثر من قراءة ...

فيصل ..
شكرا لك كل مرة
Rose7747

فيصل الرحيّل
03-26-2010, 08:56 PM
^
^

عبدالله ..
بل شكراً على هذا المتصفح ....







# فَقيدتي حيَّة ( رثاء )



في حزني ، كل الأشياء ساكنة ..
أنا لا أنتظرُ أحداً ، سيأتيني ..
ليس بالنهار ، و لا بالليل ..
و لن تعود حالتي أبـداً .. كما كُنت سابقاً ..

عيناىّ إفترقتا عن عينيكِ ..
فاقدي الثقة ، ضائع بريقهما ..
شفتيَّ إنفصلتا عن شفتيكِ ..
وكفتا عن المتعـة ..
بلذة الحب ، و بهجة الحياة ..

يداىَّ إنفصلتا عن يدّيكِ ..
و كل الأشياء منهما تضيع ..
خُطواتي تباعدت عن خُطواتِك ..
ولن أستطع المُضي ..
حيث لا يـوجد طريق ..

قدماى فقدتا توازنهما ..
و لن يعرفا الراحة ..

مما أوحي لي َّ ..
أن حياتي قاربت على نهايتها مع حياتكِ ..

حياتي في وجودكِ ..
الذي إعتقدتُ بلا نهايته ..
و مستقبلي هو أملي الوحيد ..
في مقبرة مماثلة لمقبرتك ..
محاطة بإناس غير مبالين ..

يحتويني دفؤك إذا ما كنت بقربك ِ ..
ويعتريني البرد مع الآخرين ..




بول إيلوار / شاعر فرنسي ..
( روائع الشعر العالمي _ أدب )
Rose7747

شذى
03-31-2010, 03:49 AM
وتلك الأيام ،
تلقي بنا دوما نحو سواحل جديدة ،
وفي الليل الأزلي تأخذنا بدون رجعة !! ..
ولكن، عبثا أسألك، بعض الوقت: هل من مزيد ؟
ويفلت الوقت مني، ويفر ؛
أقول لهذا الليل: “تمهل!”؛
والفجر لا محالة سيبدد الظلام. ..
فلنعشق إذا ! فلنعشق ..!
ومن الساعة الهاربة ،
فلنعجل ، ولننعم !
ليس للإنسان مرفأ ،
ولا للزمان ساحل ؛
فالزمان يجري ، ونحن نمر !

( لامارتين - شاعر فرنسي)

شذى
03-31-2010, 03:51 AM
أنا .. لا أحد !
وأنت،
من تكون ؟
هل أنت أيضاً ، ” لا أحد ” ؟
وإذاً ..
فثمة إثنان منا،
إياك أن تخبر أحدا!
وإلا ..
ألقوا بنا في المنفى !

( إيميلي ديكينسون - شاعرة أمريكية )

شذى
03-31-2010, 03:51 AM
هم حين يموتون لا يعاقبوننا بالموت معهم ,
هم يعاقبوننا بالحياة دونهم !!
عندما توشك الذكريات على الرحيل تزورك بكثرة أولا
كأنما ترغب أن تستهلكها حتى النهاية !
من الأفضل أن تستهلكها مثل وجبة مفضلة لدرجة أنك لن تشتهيها ثانية
من هنا تنقص قيمتها وبالتالي تسقط , ذات يوم ..
فريسة للنسيان !

( هاري مارتينسون - شاعر سويدي )

فيصل الرحيّل
04-02-2010, 02:03 AM
الحرية :..


الا ابتعدي عن طريقي ..
يا ربة الأوتار الخافتة ..

أين أنتِ ..؟! أين أنتِ أيتها العاصفة الرجولية ..؟!
يا مغنية الحرية الفخورة ..
اقتربي و مزقي اكليلي ..
وحطمي قيثارتي الناعمة ..

أريد أن اتغنى الحرية الإنسانية ..
وأفضح الرذيلة في عروشها ..!




( ألكسندر بوشكين _ شاعر روسي )
Rose7747

فيصل الرحيّل
04-16-2010, 10:47 PM
أزهار النرجس ..!




إذ كنت وحيدا أتجولْ
كالغيمة تطفو عاليةً

فوق الهضْبة والوادي
لاح لبصري جمهرةٌ

من زهر النرجس ذهبيةْ
تحت الشجر وجنب بحيرةْ
تهتزًّ وترقص في النسمةْ.

تتلألأ مشرقةً دوماً
كأنجم درب اللبانةْ

تمتد على جرف خليجٍ
أبعد من مرمى الأبصارْ.

شاهدت الآلاف بنظرةْ
تتمايل راقصة جذلى.
الموجُ بجانبها يرقصْ
لكنَّ الموجَ المتلألئ
لم يبلغْ مبلغَها فرحا.

والشاعرُ إن كان بصحبتها
لا يملكُ إلا أن يمرحْ.

وواصلت النظرَ ولكني
لم أفطنْ كم أثرى بصري
مما شاهدت من المنظرْ.

وحين أعود لأستلقي
بمزاج آسٍ أو خال
تلوح لعيني الباطنةِ
النعمةِ من نعمِ الوحدةْ

لتملأ قلبي بالبهجةْ
فيبدأ بالرقص مع النرجسْ.








( وليم ويردزويرث / شاعر انجليزي )
Rose7747

مجرد انسانه
04-18-2010, 01:09 AM
هم حين يموتون لا يعاقبوننا بالموت معهم ,
هم يعاقبوننا بالحياة دونهم !!
عندما توشك الذكريات على الرحيل تزورك بكثرة أولا
كأنما ترغب أن تستهلكها حتى النهاية !
من الأفضل أن تستهلكها مثل وجبة مفضلة لدرجة أنك لن تشتهيها ثانية
من هنا تنقص قيمتها وبالتالي تسقط , ذات يوم ..
فريسة للنسيان !

( هاري مارتينسون - شاعر سويدي )

مجرد انسانه
04-18-2010, 01:11 AM
وتلك الأيام ،
تلقي بنا دوما نحو سواحل جديدة ،
وفي الليل الأزلي تأخذنا بدون رجعة !! ..
ولكن، عبثا أسألك، بعض الوقت: هل من مزيد ؟
ويفلت الوقت مني، ويفر ؛
أقول لهذا الليل: “تمهل!”؛
والفجر لا محالة سيبدد الظلام. ..
فلنعشق إذا ! فلنعشق ..!
ومن الساعة الهاربة ،
فلنعجل ، ولننعم !
ليس للإنسان مرفأ ،
ولا للزمان ساحل ؛
فالزمان يجري ، ونحن نمر !

( لامارتين - شاعر فرنسي)

مجرد انسانه
04-18-2010, 01:12 AM
من الممكن سرقة الشرف ..
لكن الكبرياء تستحيل سرقته !
من الممكن سرقة الكلمات ..
لكن الشعر تستحيل سرقته !
من الممكن سرقة البيوت ..
لكن السماء الزرقاء تستحيل سرقتها !
من الممكن سرقة الملابس ..
لكن العري تستحيل سرقته ..
من الممكن سرقة عرش ..
لكن القلوب تستحيل سرقتها !!

( شونتارو تانيكاوا - شاعر ياباني )

مجرد انسانه
04-18-2010, 07:05 PM
أنا المستبعد، الخارج على القانون،
الملعون الذي لا يستسلم !
أنا البطل الذي يموت في الصفحة الأولي !
أنا القط الأعور الذي لا تريد أي عجوز أن تداعبه !
أنا الحيوان الخائف من رهاب الماء
الذي يعض اليد الممدودة بالرحمة !
أنا سوء الفهم الذي يؤدي إلي الشجار !!
أنا الشيطان الذي هرب محبرة لوثر !
أنا شريط الفيلم الذي ينقطع في ذروة الحدث !
أنا الهدف الذي أدخل في مرماي في الثانية الأخيرة !
أنا الطفل الذي ينخر ردا علي تعنيف الأم
أنا خوف العشب الذي على وشك أن يجزوه
لست أدري ما إذا كان البحر يصنع الأمواج
أو يتحملها !
لست أدري ما إذا كنت أنا المفكر
أم فكرة عارضة !!!

( كلاوديو بوتساني - شاعر إيطالي )

فيصل الرحيّل
06-26-2010, 02:39 AM
# مفهوم أفق التوقع ..؟!


يمكن أن يحدد هذا المفهوم ببساطة كمنظومة من المعايير والمرجعيات لجمهور قارئ في لحظة معينة يتم انطلاقاً منها قراءة عمل وتقويمه جمالياً، يمتلك هذا العمل أيضاً أفقه للتوقع الذي يتشكل من خلال العناصر أو العوامل التالية :

1- التجربة التي يمتلكها جمهور عن الجنس الذي يعود إليه العمل يتعلق الأمر بمقابلة أفق توقع الجمهور مع أفق التوقع الذي يقدمه العمل : من هنا تأتي احتمالات القبول، بسبب التطابق بين الأفقين ، أو الرفض ، والاستنكار ، وعدم الفهم ، في حالة الاختلافات الواضحة بين الأفقين.‏

2- شكل الأعمال السابقة وموضوعها، هذه الأعمال التي تستلزم التجربة معرفتها وهذا يتطلب فحص القيمة الجمالية للعمل بالمقارنة مع الموروث السائد لجنس، أو نموذج .

3- الانزياح بين اللغة واللغة الشعرية المستخدمة استعير مفهوم الانزياح من الشكلانيين .‏

تركز دراسة التلقي على فحص العلاقات بين أفق توقع العمل وأفق توقع الجمهور. يسعى العمل التجديدي إلى تشكيل قطع داخل أفق توقع الجمهور نفكر بالاستقبال الذي أعد لريمبو، وبروست، وجويس , يفسر الاستقبال التدريجي للأعمال التجديدية من خلال تطور الذوق، ومعايير تقويم الجمهور والنقد إزاء أفق التوقع الذي رفض أولاً , ويمكن أن يقرأ التاريخ الأدبي كتتابع لآفاق الانتظار، وتتمة لتناقضات وتطابقات وإعادة تطابقات.‏




( الأدب العام والمقارن - الناقد الفرنسي دانييل هنري باجو / ترجمة : د.غسان السيد )
Rose7747

فيصل الرحيّل
07-01-2010, 10:58 PM
بين الرحيل والبقاء ..
يتردد اليوم ..
في الحب وشفافيته ..
ظلمة الظهيرة أصبحت الآن خليجاً ..
حيث يعيش العالم في صخور ساكنة ..

كل شيء ظاهر وبعيد المنال ..
كل شيء قريب ولا يمكن لمسه ..

ورق .. كتاب .. قلم .. زجاج ..
كلها ترتاح في ظل أسمائها ..

خفقان الوقت في معابدي يتكرر ..
إنه ذات المقطع المدمى ..

الضوء يحوّل الجدار الذي لا يبالي ..
إلى مسرح انعكاسات مسكون بالأشباح ..

أجد نفسي في وسط عين ..
أشاهد نفسي في حدقتها الفارغة ..

اللحظة تتداعى ..
بلا حراك .. أبقى وأرحل ..
أنا التوقف ..!






( أوكتافيو باث / شاعر مكسيكي )
Rose7747

فيصل الرحيّل
01-06-2011, 04:05 PM
قصة الحرباء ..!
الأديب الروسي ..// أنطون تشيخوف .




بمعطفه الجديد ؛ وبشيء ما يتأبطه يلجُ العريف " أخميلوف " باحةَ السوق يتبعه شرطيٌّ ذو شعر أحمر ، حاملاً ما صادراه من فاكهة .. الصمت يشيع في الأرجاء ، وليست ثمّة حركة جلّية .. أبوابُ المحلات ونوافذها مواربةٌ علىَ سعتها مثل أفواه جائعة تحدّق بأسى لدنيا الله , على نحوٍ مباغت تٌمزّق أستار الصمت صرخةُ : " هكذا تريد أن تعضّني أيها الكلب الملعون
هذا زمان ما عاد للكلاب حرّية عضّ الآخرين ..آه ‍ ‍!.. آه أوقفوه !.
يندلع نباحٌ متواصل .. تتوجّه أنظار " أخميلوف " ناحيةَ الصوت .. هناك كلبٌ برجلٍ عرجاء يفرٌّ هارباً من ناحية " مخزن أخشاب بنجوجن " ملاحَقاً مِن قبل رجلٍ ذي قميص أبيض يحاول الامساك به فيتعثّر ساقطاً .. غير أنّه يفلح في القبض عليه من قائمتيه الخلفيّتين .. يعوي الكلبُ ومعه تستمرُ صيحاتُ الرجل .
وجوه بعيونٍ ناعسةٍ تطلُّ من نوافذ المحلات ؛ تُطالع حشداً بشرياً إلتئم سريعاً كأنّه انبثقَ من ثنايا الارض .
- " اتعتقد أنّ من الضروري توجيه اللوم والتوبيخ لتجمّع ٍغير مسموح به كهذا ؟".. يحاور أخمينوف شرطيَّهُ .

يستديرُ يساراً ويخطو باتجاه الحشد جوار الباب الرئيس لمخزن الأخشاب ، يشاهد الرجلَ ذا القميص الأبيض يرفع يداً عارضاً على العيون المُبحلِقة إصبعاً مُدمّىَ فيما وجهه يشي بتعابيرِ رجلٍ شبه مخمور : " إنتظر ! .. ساجعلك تدفع الكثير مقابل هذا ، أيها الشيطان " .

وسرعان ما يتعرّف أخميلوف على الرجل : إنّه " كريوكين " ؛ مثلما يشاهد الكلب خالقَ الجلبةِ يرتجفُ وسط الحشد وقائمتاه الاماميتان ممدودتان ..كلبٌ أبيض تُبقّع ظهرَه بقعةٌ صفراء ، عيناه تمتلئان بتعابير الخشية والقلق .

- " ما الخَطب ؟ ! " .. يروح أخميلوف يتساءل ، صانعاً طريقاً له وسط الحشد " . لماذا تقف هنا ؟ وما الذي جرىَ لإ صبعك ؟ ومن كان يصرخ ؟ "

- أنا .. لم أمَسَ أحداً .. ينطقُ " كريوكين " ثم يواصل " " كنت أتجول في غابة ديمتري ديمتر يفتش ، هناك عندما هاجمني هذا الكلب المتوحش وعضّ اصبعي .. ليس لديَّ ياسيدي غير هاتين اليدين أعمل بهما ، وعضّةُ هذا الكلب ستوقفني عن العمل لفترةٍ لا تقل عن سبعة أيام ، لهذا على صاحبه أن يدفع لي تعويضاً ؛ إ لا يوجد في القانون ما ينبغي تحمله من تبِعات مخاطر الحيوانات ، لانّه لوتُرِك لكلِّ حيوان حريةَ العضّ والفتك بالآخرين فلن يبقَ أحدٌ علىَ قيدِ الحياة في هـذا العالم . "

بصرامةٍ ظاهرة يرتفعُ حاجبا العريف أخميلوف ويهبطان :

- مَن هو صاحب هذا الكلب ؟ .. لن أسمح لمثلَ هكذا خروقات أن تحدث وتستمر. إنَّ علىَ الجميع أن لا يتركوا كلابَهم طلقيةً كما تشاء ، لقد ولّىَ الزمن الذي يُترك فيه مَنْ لا يُطيع القوانين سأعاقب مالكَ هذا الكلب ، وسأعُلِّمه من أنا . يستدير إلى الشرطي المرافق :
- يا يلديرين ، تحرَّ عمّن يكون صاحب هذا الكلب .. هذا الكلب يجب أن يُقتل .. إفعل ذلك سريعاً ، فقد يكون مسعوراً .. علىَ أي حال لمن هذا الكلب ؟

- يبدو أنّه كلبٌ الجنرال ييجالوف .. ينطُقُ أحدٌ من الحشد .
- للجنرال ييجالوف ؟ ها !.. يالديرين ، إخلع معطفي ! .. ما هذا الحر الشديد ! من المحتمل أن تمطر هذا اليوم .. يوجد ثمة شيء لا أفهمه كيف عضّك هذا الكلب ؟ " يتوجه العريف أخميلوف إلى " كريوكين " متساءلاً . " وكيف طال أصبعك ،إنّه كلبٌ صغير بينما أنتَ رجلٌ كبير ؟ .. ربّما فعلت ذلك بنفسك وأدّعيت جرحك من فعل هذا الكلب المسكين سعياً للحصول علىَ مال .. أعرفكم أيها الشياطين !!

- " أطفأ السيجارة في وجه الكلب لكن الكلب ليس غبياً فعضّه ، ياسيدي . " يتفوه الشرطي يلديرين .

- تكَذٌب ! .. ما شاهد مثل هذا ، ياسيدي ما شاهد مطلقاً .. ولكنْ دعْ الحاكم يقررّ ، القانون يؤكد بسواسية الجميع في هذا العهد ؛ ولي أخٌ يعمل في قسم الشرطة فإنْ لم ..

- توقف !

- " كلاّ ! هذا ليس كلب الجنرال "يقول الشرطي يلديرين مُظهراً إهتماماً ، " لا يملك الجنرال كلباً كهذا ، هذا كلبٌ لا يمُت إلى كلابه بشيء ".

- أمتأكد من ذلك ؟ " يسأل العريف أخميلوف .

- نعم ، كلّ التأكيد .

- وأنا متأكد أيضا .. كلابٌ الجنرال غالية الثمن ، أما هذا الكلب فليس له شعر مقبول ولا شكل يُعتَد به لماذا يقتني الناس كلاباً قميئة .. لو كان في بطرسبورج أو موسكو مثل هذه الكلاب هل تخمن ما يحدث ؟ لن يجهدوا أنفسهم في البحث في فقرات القانون للتخلّص منها ، بل يصنعون لها نهاية سريعة .. " ياكريوكين " لا شكّ أنك تعاني من ألم الجرح لذلك سوف لا أترك الأمرَ يجري عادياً ، سألقّن مالكي هذه الكلاب درساً .. ولكن يبتسم أخميلوف مفكِّراً ! أعتقد أنني شاهدتُ هذا الكلب في باحة الجنرال .

- "طبعاً ؛ إنه كلب الجنرال " يأتي صوت من عمق الحشد .

- يالديرين ؛ ساعدني .. ألبسني معطفي وخذ الكلب إلى الجنرال تأكد إن كان له أم لا. قل وجدته في الطريق فأتيت به ؛ قدم لهم رجاءً ؛ إرجوهم أن لا يتركوا الكلب في الشارع ، لأنه كلب ثمين وقد يرتكب أحدهم حماقة فيطفىء سيجارة في خطمه فيتسبب في إيذائه ، الكلب مخلوق رقيق .. وانت أيها الغبي .. أخفضْ يدك فلا ضرورة لعرض إصبعك السخيف ، إنها حماقتك .

- ها هو طباخ الجنرال ، دعونا نستفهم منه .. مرحباً بروخور تعال هنا للحظة ، إنظر هل هذا كلبكم ؟ !

- هذا ! .. لم نقتن مثل هذه الكلاب في حياتنا أبداً .
- هذا كلب لا يستحق السؤال عنه .. يتمتم أخميلوف .. متشردٌّ وينبغي قتله .

- كلا .. ليس لنا مطلقاً ، بل هو عائد لأخ الجنرال الذي وصل إلى المدينة توّاً .سيدي لا يفضِّل هذه الأنواع ، إنما أخوه من يرغبها .

- هكذا إذاً أخوه فلا ديمير إيفانوفيتش وصل إلى هنا " يتساءل أخميلوف بمحّياً مُشرق وأبتسامة تغمر وجهه : " حسناً ، حسناً ، لم أكن أعرف ذلك . " إذاً هو في زيارة لمدينتنا ‍‍!
- نعم ، ياسيدي في زيارة ،

- حسناً ، حسناً وهذا هو كلبه ، أنا مسرور جداً خذه ! يالهُ من كلب صغير وبارع ، سريعاً أمسك باصبع هذا الرجل ها .. ها .. ها ، لماذا ترتجف أيها الكلب الصغير .. لم تفعل شيئاً يستحق الخوف ؛ وهذا الرجل وغدٌ وشرير..

ينادي " بروخور " على الكــلب ويذهب به بينما يوجه أخميلوف تهديداتــــه إلى " كريوكين " .يحكم شدّ معطفه علىَ جسده ثم يتخذ طريقه إلى داخل السوق يتبعه الشرطي يلدرين حاملاً الفاكهة المصادرة

Rose7747