سعد معيوف
04-09-2009, 03:15 AM
قبل أن تُغلق المدينة تحاول أن تُدير نظرك للخلف , تدرك أن عُنق الوقت بدأ بالتطاول , يريد أن يلمس آخر نقطة يقف عندها ظل الشجرة , نعم تلك الشجرة الكبيرة , لتعرف أنها تحاول الرحيل .. إلا أنها ليست قادرة عليه , تتمرد أوراقها فتهرب منها إلى أي مكانٍ آخر ..
حان الوقت الآن لتدير نظرك لجهةٍ أخرى , سترى سائق التاكسي الذي أقلك بالمرة السابقة , معه أحاديث السفر كلها , يعرف البلدان وهو لم يزورها بعد , قُدّر له أن يحمل اسم المطار أينما ذهب , فلا يُعرف الا بتاكسي المطار , يقف عن بوابة المغادرة ولا يستطيع الخروج .
,
انظر هناك ..! , لابد أن تُغلق المطارات أيضا , فهي مقيّدة ولا تستطيع التحرك , شعورها المختزل جعلها محرومة من كل شيء , تودع الكثير وتستقبلهم مرةٌ أخرى وهي ثابتة بمكانها , كل شيء منها يتمرد على الخروج ويخرج , الماء , الهواء , التراب , حقائب السفر , الفرح ,البكاء , الحنق , الذهول , الخوف , اللقاء , الوصول , الرحيل , الوداع , التوابيت , بقايا ما تعلق بعجلات طائراتها , وحبر أختامها ..
يا لهذا الحبر كم هو يفنى من أجل أشيائنا التافهه .
,
أكتب , هيا أكتب .. سأملي عليك بعض الطلبات الخاصة بحفلة الخميس , وأيضا بمتطلبات المنزل , وحاجيات الأولاد , وما تريده تلك الخادمة الدميمة ..
قُدر للحبر أن ينصت فقط ولا يحدث بغير ما طُلب منه .. يكتب : شهادة الميلاد , شهادة الوفاة , وثيقة زواج , وثيقة طلاق , جواز سفر , رسائل الخادمة , وصفة العلاج , حكم القضاة , ودمعة أمٍ أُسر أبنها ولا يستطيع سوى الحبر أن يوصل لها إليه , ودموع ثكلى أرهقتها تلك الحياة ولم تنجب ولداً ..
وتمتمات ساحر , وطلاسم عرّاف , وشعوذات كاهن , وكذب عاشق , ودجل عاهرة , والحزن , والحبور , والتمنع , والرغبة , الهلاك , والدين , والفقر , والتسكع , والصعلكة , والتمرد , والأنحدار , والطلوع , والسقوط , والإنكسار , والرهبة , والخوف , والشعر ..:
يمر البال ما بلل شجرهم وأنبت القرطاس ..
... وأنا أكتب ما تيسر من بكا وأمسح حبر مديون .
ياْ هذي الأرض لو تزفر ضلوعك للمدى والفاس ..
... زرعنا صبح وتساقط سهرنا من غصن ليمون .
,
لا تجف .. وإن أستطعت الصمود على فم المسافة فأفعل , لم يعد أمامك من العمر ما يستحق أن تقفز لأجله , كل التجارب السابقة جلبت الفشل معها , وأنت الآن تستعد وليس معك سوى يدان وتسعة أصابع , تهرب من ضوء الشمس وتغرق بنفسك طوال الليل , لا تخف فالشمس تخبرك بأن يوماً آخر قد فُقد منك , وتبقى بعهدتك ما يجعلك بحالة صلحٍ مع الفراش ..
لن تحتاج لكل الأصابع , ولا لتلك العيون , ولا لذلك القلب الذي سرعان ما يخفق عند غروب الشمس ..
نم فإن السمر سيطول بك , وتظن بأن الليل قد تضاعف , وأن النهار لا يريد أن يخرج , كما أخبرتك سابقاً عند سقوطك لأول مره سترى بأن الأشياء كلها تتحد ضدك , حتى الهواء الذي تستنشقه , والماء الذي تشربه , والساعة التي تأكل عقاربها صغارها تشعر بالتخمة , لا تريد أن تتحرك , ولا ترغب بشق فتحة صغيرة بجدار الأمل .
لا تموت قبل أن تجف , بل حاول أن تكون خفيفاً عن الموت ..
حان الوقت الآن لتدير نظرك لجهةٍ أخرى , سترى سائق التاكسي الذي أقلك بالمرة السابقة , معه أحاديث السفر كلها , يعرف البلدان وهو لم يزورها بعد , قُدّر له أن يحمل اسم المطار أينما ذهب , فلا يُعرف الا بتاكسي المطار , يقف عن بوابة المغادرة ولا يستطيع الخروج .
,
انظر هناك ..! , لابد أن تُغلق المطارات أيضا , فهي مقيّدة ولا تستطيع التحرك , شعورها المختزل جعلها محرومة من كل شيء , تودع الكثير وتستقبلهم مرةٌ أخرى وهي ثابتة بمكانها , كل شيء منها يتمرد على الخروج ويخرج , الماء , الهواء , التراب , حقائب السفر , الفرح ,البكاء , الحنق , الذهول , الخوف , اللقاء , الوصول , الرحيل , الوداع , التوابيت , بقايا ما تعلق بعجلات طائراتها , وحبر أختامها ..
يا لهذا الحبر كم هو يفنى من أجل أشيائنا التافهه .
,
أكتب , هيا أكتب .. سأملي عليك بعض الطلبات الخاصة بحفلة الخميس , وأيضا بمتطلبات المنزل , وحاجيات الأولاد , وما تريده تلك الخادمة الدميمة ..
قُدر للحبر أن ينصت فقط ولا يحدث بغير ما طُلب منه .. يكتب : شهادة الميلاد , شهادة الوفاة , وثيقة زواج , وثيقة طلاق , جواز سفر , رسائل الخادمة , وصفة العلاج , حكم القضاة , ودمعة أمٍ أُسر أبنها ولا يستطيع سوى الحبر أن يوصل لها إليه , ودموع ثكلى أرهقتها تلك الحياة ولم تنجب ولداً ..
وتمتمات ساحر , وطلاسم عرّاف , وشعوذات كاهن , وكذب عاشق , ودجل عاهرة , والحزن , والحبور , والتمنع , والرغبة , الهلاك , والدين , والفقر , والتسكع , والصعلكة , والتمرد , والأنحدار , والطلوع , والسقوط , والإنكسار , والرهبة , والخوف , والشعر ..:
يمر البال ما بلل شجرهم وأنبت القرطاس ..
... وأنا أكتب ما تيسر من بكا وأمسح حبر مديون .
ياْ هذي الأرض لو تزفر ضلوعك للمدى والفاس ..
... زرعنا صبح وتساقط سهرنا من غصن ليمون .
,
لا تجف .. وإن أستطعت الصمود على فم المسافة فأفعل , لم يعد أمامك من العمر ما يستحق أن تقفز لأجله , كل التجارب السابقة جلبت الفشل معها , وأنت الآن تستعد وليس معك سوى يدان وتسعة أصابع , تهرب من ضوء الشمس وتغرق بنفسك طوال الليل , لا تخف فالشمس تخبرك بأن يوماً آخر قد فُقد منك , وتبقى بعهدتك ما يجعلك بحالة صلحٍ مع الفراش ..
لن تحتاج لكل الأصابع , ولا لتلك العيون , ولا لذلك القلب الذي سرعان ما يخفق عند غروب الشمس ..
نم فإن السمر سيطول بك , وتظن بأن الليل قد تضاعف , وأن النهار لا يريد أن يخرج , كما أخبرتك سابقاً عند سقوطك لأول مره سترى بأن الأشياء كلها تتحد ضدك , حتى الهواء الذي تستنشقه , والماء الذي تشربه , والساعة التي تأكل عقاربها صغارها تشعر بالتخمة , لا تريد أن تتحرك , ولا ترغب بشق فتحة صغيرة بجدار الأمل .
لا تموت قبل أن تجف , بل حاول أن تكون خفيفاً عن الموت ..